القلم الفكري

 

أحداث باريس وكلمات ألبير كامي

أحمد الخميسي



 

 

أحداث باريس وكلمات ألبير كامي

                                            

أحمد الخميسي

 

" أحداث العنف " هو التعبير الذي يخفي بذكاء جوهر أي تمرد اجتماعي أو وطني أو سياسي ، وبعبارة أخرى فإنه التعبير الذي يستبعد من كل حادثة طرفي الصراع ، وقضيته ، بحيث تبدو أحداث العنف تلك كالأمطار التي تنهمر بلا تاريخ ولا مغزى . هكذا توصف أحداث فرنسا التي شمل غضب الفقراء فيها كل أنحاء العاصمة وثلاثمائة بلدة أخرى لمدة أسبوعين حتى الآن ، وشاركت فيها أكثر من عشرين جالية . وقد بدأ الأمر بمقتل شابين يوم 27 أكتوبر في ضاحية " كليشي سوبوا " على يد الشرطة الفرنسية ، أو بسبب مطاردة الشرطة لهما . أحدهما من أصل تونسي ، والآخر من مالي ، وينتميان لجيل ثالث من المهاجرين . وأججت تلك الحادثة الصغيرة غضب وثورة الآلاف في الضواحي البائسة التي حرم سكانها من الخدمات وفرص العمل والتأمينات الاجتماعية والتعليم ، وانتشرت بينهم المخدرات والجرائم والبطالة ، علاوة على شعورهم المتصل بالتمييز العنصري . ولهذا صرح " جون لوي بورلو " وزير التضامن الاجتماعي بأن على فرنسا أن تعترف بأنها : " أخفقت منذ عقود في التعامل مع الغضب المتزايد في الضواحي الفقيرة " . وتقول باربرا شولتز الصحفية الفرنسية إن : " البطالة الدائمة هي التي خلقت بين المهاجرين : " التطرف الديني والعنف وتشكيل العصابات والتشرد والإدمان على المخدرات ". ويشكل المهاجرون الذين فجروا الأحداث ثمانية بالمئة من تعداد السكان في فرنسا ، لكنهم لا يتمتعون لا بالمواطنة ، ولا بالحق في التصويت ، كما يعانون من أعلى معدلات للبطالة . ولا يمكن لفرنسا أن تدعي أن أولئك المهاجرين عبء عليها ، لأن فرنسا تعيش في واقع الأمر بفضل قيام أولئك المهاجرين بكل الأعمال القذرة مقابل أجور بخسة . وتأتي هذه الهبة لتعري حقيقة الأوضاع الاقتصادية في فرنسا – ثالث أكبر اقتصاديات أوروبا - حيث يعاني من البطالة نحو ثلاثة مليون شخص ، وحيث سحبت الدولة كل الموارد المخصصة لبرامج التأمينات الاجتماعية ، إلي أن زادت معدلات الفقر والتضخم ، وأصبح العجز المالي يعادل نحو 4 % من الناتج المحلي الإجمالي متجاوزا السقف الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي للعجز ، وتراجعت الصادرات ، دون نمو حقيقي في الإنتاج . ومن الطبيعي في ظل هذه الظروف أن تشير الإحصائيات الفرنسية إلي وجود 751 منطقة فقيرة يسكنها خمسة ملايين شخص في فرنسا . والمسألة إذن ليست " أحداث عنف " ، لكنها أقرب إلي انتفاضة ، يهدد وزير الداخلية الفرنسية خلالها بفرض حالة الطوارئ ، والاستعانة بقوات من الجيش ، وهي انتفاضة سقط فيها الضحايا والقتلى من الجانبين ، ولم تعرف فرنسا مثيلا لها منذ نصف قرن ، كما أن آثارها وعواقبها مستقبلا مازالت غير محسوبة . إلا أن ما تطرحه هذه الانتفاضة،

أو حسب التعبير المفضل " أحداث العنف " هو العلاقة بين الديمقراطية الغربية ، والقضية الاجتماعية . فقد عرفت فرنسا البرلمان عام 1789 ، أي منذ أكثر من مائتي عام ، وكان في البداية يسمى " مجلس الطبقات " ثم " الجمعية الوطنية " ، ولا يستطيع أحد أن يدعي أن فرنسا بجلال قدرها تعاني من أزمة ديمقراطية ، ومع ذلك فإن أحداث العنف تبين أن عزل الديمقراطية عن القضية الاجتماعية لا ينتهي إلا بذلك الفشل الذريع الذي أوشك أن يحول باريس من عاصمة للنور إلي عاصمة للنار . لا البرلمان العريق ، ولا الأعداد الضخمة من الصحف ، ولا جمعيات حقوق الإنسان والحيوان ، ولا الأحزاب المتعددة ، ولا حرية التعبير ، استطاعت أن تنفي أن الأزمة هي أزمة العدالة ، وأن الديمقراطية إذا لم تكن سبيلا ووسيلة إلي العدالة تصبح مجرد ديكور تتزين به الجماعات السياسية ، ويتزين بها المجتمع لكي يخفي طرفي الصراع ، وقضيته .

    ذات يوم كتب الأديب الفرنسي المعروف ألبير كامي يقول : " إذا فشل الإنسان في التوفيق بين العدالة والحرية فسوف يفشل في كل شيء ". وقد فشلت باريس مدينة النور ، والثقافة ، والموسيقى ، والديمقراطية ، والبرلمان ، والصحف ، في الجمع بين العدالة والحرية ، فلم تحصد سوى ذلك التمرد .  




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home