قصة

 

بكاء المدينة

وائل المنزلاوى



أرى طيورا تأتي  من كل مكان ، تنتظم في سرب ، لا أدري ما سر حبي للطيور؟ ، كم رائع أن ترى حركات أجنحتها ، ينتظم معها خفق قلبي المتتالي ، لعله يتمنى أن يصبح طائرا  يوما ما ، أرى الطيور تنظر نحوي ، تتفجر في عيني  دموع غزيرة ، لا أدري هل أنا في منام أو  في  يقظة ؟ ............ لم أنس ـ حتى اليوم ـ الدرس الأول الذي تعلمته من المدينة الصادقة ، دعوت يوما أن أصلي في المسجد الأقصى ، ثم خرجت لألعب في الشارع ، عندما رجعت قالت لي :

ـ  لا تفعل ذلك مرة أخرى

ارتبكت .

ثم قالت بحزم :

ـ لا تدع لنفسك فقط !!!  الدعاء للمسلمين جميعا

ازداد ارتباكي ....

قالت :

ـ لا مانع أن تقول : (  و اجعلني للمتقين إماما )  

لم أفهم جيدا ما تعنيه ، وهي لم ترد أن تعلمني الدروس كلها مرة واحدة ، لكنها لم تخدعني ، قالت :

ـ لن تفهم هذا الدعاء اليوم ، فقط  تذكر أن الدعاء للمسلمين جميعا  ..........

ما زلت أتذكر مقدار المرارة التي تفجرت في قلب جاري المسيحي حتى ظهرت آثارها على وجهه وهو يسألني :

ـ من يحمل مفاتيح المدينة الآن؟ ......

أجبته بتلقائية عن سؤاله :

ـ من يريدون أن يهدموا كل شئ .....

لم أولد في المدينة ، ولدت في قرية صغيرة أعطتني اسما ، ومحلا للميلاد ، في اليوم الثاني مات في المدينة طفل صغير، الأسباب غير طبيعية ، هكذا أخبرتني المدينة الصادقة ، لكن الوسائل الحديثة تخفي كل شئ ، المدينة الصادقة أعطتني اسما ، ووطنا يلازمني ـ دائما ـ بعض من هوائه ، يحمل مشاعر صادقة لن تعرف قيمتها إلا إذا حرمت منها ـ دائما - .

هكذا أقول لنفسي لي أخوة هناك يقولون لأنفسهم الكلام نفسه ، لكنها لا تحرمنا من دروسها ، كم أتمنى أن أتحدث عنها الآن ، لو تحدثت عنها سأظل أتحدث أياما كاملة بلا توقف ، رائحتها ستجعلني أقاوم النوم ، لكنني أشعر بها الآن ، أشعر بأرضها تعتصر أنفاسها ، أنين الحجارة ، التراب المتألم ينقلب دموعا تنزف من أشجار الزيتون ، الهواء يختزن دموعا مختنقة ، قرب الفجر يبكيها ، المؤذن الباكي ، دموع الحجارة ، أبي في القرية يحكى عن جدي المدفون في حطين ، ومؤذن القرية ـ كثيرا ما ـ يبكى ، أرى الطيور تتجمع من جديد ، أبحث عن تأويل للرؤية ..... !!!!

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home