قصة

 

حكايات ابن الرشيد

عبدالقادر الدرسي



يجلس وحيدا بعيدا عن الضوضاء .. يسرق لحظات مع نفسه .. صمت وتأمل .. يندمج في السكون .. ينسج خيوط أحلامه .. يعبث في واحته .. يرسم شمسا .. يلون قمرا .. يلهو مع صفوف النمل .. ينحني نحو الأرض لعله يلتقط صوتا يناديه .. يدخل إلى حجرته .. يلقي حمل جسده علي فراشه .. يحتضن وسادته يقبلها .. يشتم رائحة عرقه فيها .. يهمس لها بكلمات الحب .. يزداد التصاقا .. يحرك خصلة من شعره .. يفرك عيونه المتعبة .. ينهض .. يبحث عن قطه الشقي .. يناديه .. يراه يأتي .. يحاول المسكين خربشته في أسفل ساقه .. يرتمي في أحضانه .. يداعبه بعشق متلطف .. يتركه يمضي.

يذهب إلى المرآة يتحسس وجهه وهي تشمئز من منظره الوقح .. يخرج لها لسانه ؛ تذمرا ، وسخرية، وربما البلاهة .. ينظر إلى أسنانه البيضاء، والصف الآخر المقابل له، المصابة بالتآكل .. يترك نفسه على المصقولة، ويذهب يقرأ للمرة الأولى أي كتاب يختار ؟ .. ربما لتولستوي، يقلب صفحة البداية .. الحرب .. السلام .. أهزوجة هي .. يواصل القراءة، يتمهل، لا يحس بود معه بطبيعته .. يرميه خلفه بإهمال .. لم يقتنع به .. يدير جهاز التسجيل ويستمع (إني أغرق .. أغرق ..) يقول في نفسه يغرق؟ وأنا لن أنقذك ببساطة! لأني لا أعرف السباحة.

مواء ثم مواء .. أليس هذا صوت قط ؟ يفكر، نعم. يبحث عنه .. يجده يجلس على الشرفة يشاهد عصفورا صغيرا يلهو مع حبيبته، لعله يظفر بلحظة حب، والقط الشقي يحرك ذيله بأسلوب لم يتعود عليه .. لعله عاشق وهو لا يعلم .. يلمّح لي بطرف عينه اليمنى بخبث .. ابتسمَ له ومضى .. يمسك براوية ( أمام العرش ) .. يخاطب محفوظا لعله يجيب، ويسأله: هل أنت نجيب؟ .. يقرأ ويزيد .. يسترسل من جديد في حكايات ابن الرشيد .. يطوح بها أسفل السرير، ويتجه نحو المطبخ لعله يظفر بكوب حليب، فلا يجد الإبريق .. يندب حظه الشريد عن حظه السعيد. كل شيء بالمطبخ خال من معدات الطهي .. ؛ ولذلك فإن المكان يحتاج إلى امرأة .. يفكر بالزواج وكلفته العالية .. يصرف نظره عن الأمر مؤقتا، ربما تحين في الأربعين.

الشيء الوحيد الذي حصل عليه ـ بدون وصاية ـ من أحد  كوب شاي غير محلّى بالسكر، لأنه لم يشتر منذ الأسبوع الماضي، والسبب الديون، وتأخر الراتب شهرين ؛ ولذلك هو مفلس ، والإفلاس يجلب الدين ، ويجلب معها بالطبع مشاكل الدائنين، لذا يتجرد من هموم الدنيا، ويلازم بيته، حتى لا يصبح زبونا لدى أطباء المستشفيات.

يحاول أن يقنع معدته أنه يعد لها وجبه شهية خيالية، ويحشوها بأخبار غير حقيقية .. الدولة اليوم منحت المواطنين الفقراء قروضا لتحسين أوضاعهم المادية، وتم تغيير بعض القوانين التي تكبله، وفتحت المجال أمام الإنتاج الوطني .. إلخ. تصدر المعدة أصواتا مبهمة، ربما هي تكذب الخبر! الوجبة اليوم تتكون من:
- لحم وطني من الدرجة الأولى ، فمعدته لا تسمح بالدرجة الثانية للمواطنة.
- وأفخر العصائر وأجودها وهي لا تعرف المصنعة والمكررة صناعيا.
- والوجبات صحية ولا يدخلها رموز ماركسية ولينينية وليبرالية وسارترية وكنفوشوسية.
- كوب من الماء الطبي، غير مختلط بترسبات الزمن الأسود للعرب.

قائمة طويلة من الأكلات المعروفة، التي لا يوجد لها أسماء سوى تعريف تقطيعها بين الأسنان. أيضا لم يصل إلى نتيجة بينه وبينها .. أخيرا تودد إليها، وطلب منها الزواج، برجاء مخيب للعقل والمنطق .. أصابه الجنون .. ربما من شدة الجوع! ذهب يجر وراءه همومه الطويلة، وارتمى على الأرض في حجرته الوضيعة، وهو يستمع من جديد لصوت الحالم (أغرق .. أغرق) .. ففكر فيه وابتسم ابتسامه بلهاء .. وحدث نفسه قائلا: ( لعلك لن تغرق وحدك مجددا )




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home