مقال

 

ما لم نكن نعرفه عن نانسي!

أحمد دعدوش



أخيرا، وعلى مدى حلقات عدة ، تفضلت شاشة العرب الأولى mbc بتحقيق أحد أهم أحلام الشباب العرب، وقامت مشكورة بالكشف عن خفايا حياة نانسي، وإطلاعنا على ما لم نكن نعرفه عنها. أخيرا، عرفنا أن الجميلة نانسي اكتسبت موهبتها الفذة بتشجيع من جدتها العجوز، وأنها ظهرت على المسرح الغنائي في سن الثامنة، وأنها معجبة بالطراز المعماري الفكتوري في بوسطن، وأنها كانت متوترة جدا قبل غنائها الاستعراضي على أحد مسارح لاس فيغاس. عرفنا أيضا أن لها معجبين كُثرا في ما وراء البحار، وأن الحراسة المحيطة بموكبها كادت أن تعجز عن صد هجمات المتدافعين. ولكن هل فكرت نانسي يوما بسر هذه النجومية النادرة يا ترى؟ أو أن تشجيع مدير أعمالها وهتاف معجبيها يقومان بالمهمة، ويكفيانها همّ التفكر وعناء السؤال؟ قبل البحث عن إجابة، أذكر خبرا أوردته بعض الصحف قبل أكثر من عام حول تعرض نانسي للتحرش من قبل شاب كان ينتظر أمام غرفتها في أحد الفنادق بعد فراغها من الغناء. وعلى الرغم من إبداء الشاب إعجابه الصريح بجمالها وفتنتها إلا أنها "أصرّت" بعد قبض حراس الأمن على الشاب على أن هذا الحادث لا علاقة له بملابسها كما نقلت الصحف، ويبدو أن هذا الإصرار - على وفق لمنطق العصر- كفيل بحل المشكلة! لعلك ـ سيدي القارئ ـ ستدهش معي بجدوى مواقف كهذه، إذ ما قيمة قناعة نانسي بمدى فتنة ملابسها في ذهن معجبيها؟ وهل سينتظر الشباب والمراهقون رأي نانسي في تحديد سبب إعجابهم بها ليحكّموا غرائزهم بما يوافق هواها ؟ ، أو أن هذه الغرائز التي سبقتهم إليها حيوانات ما قبل التاريخ أقوى من فلسفات كهذه؟ أتساءل ـ أيضا ـ عن جدوى تعري الجميلة نانسي المبتذل في حال إصرارها على عدم تسببه في إثارة غرائز الشباب، فما الذي يدفعها إذن لكل هذا التعري والغنج؟ ولماذا لا تتحفنا بأغانيها وهي ترتدي شيئا يستر القليل من عورتها على مسارح لاس فيغاس؟ يعجبني ـ كثيرا ـ  تباهي المعجبين بذكائها اللماح، الأمر الذي يعطيهم شعورا بالغلبة على أولئك ( المتزمتين ) الذين لا يكفون عن ربط التعري والجمال بالحماقة والجهل، ولكن أحدا من هؤلاء لم يتفضل بحل اللغز الذي يحيرني حول عجز جميلتنا الذكية عن فهم فلسفة الحياة. الحياة كما يبدو قائمة على المصالح، فما دامت مصلحة نانسي في الشهرة والثراء، فلا بأس ـ إذًأ ـ  في بذل الغالي والرخيص من أجلهما، ولكن ما جدوى التفلسف في أمور كهذه يا ترى؟ لا بد هنا من التساؤل مجددا عن قيمة نانسي كإنسان في عيون معجبيها، وعن احتمال استمرار شعبيتها في حال ضياع جمالها وصوتها بعد تعرضها لحادث على سبيل المثال - لا سمح اللـه - مع فقدان الأمل في استعادتهما! ليت شعري هل فكرنا قليلا بقيمة جمال الصورة وحسن الصوت إزاء ما يبذله البعض من جهد في الإبداع والفكر واكتساب المعرفة؟ وهل غاب عن أذهاننا أن ليست لأحد القدرة على اكتساب هاتين النعمتين بالسعي والطلب وأنهما توهبان لبعض الناس من دون فضل لهم في ذلك؟ وهل تساءلنا مجددا عن ذلك الدور المأمول من أصحاب الأجساد الجميلة والحناجر الرنانة في بناء الأمم وإعمار الأرض ؟ ، مع مقارنة يسيرة بما يقوم به العلماء والمفكرون في الوقت نفسه؟ لست ألوم ـ هاهنا ـ أحدا من معجبي نانسي وزميلاتها، فعوام الناس تأخذ عادة بالقشور وسفاسف الأمور على حساب جواهرها، ولن أطالب أيا منهم بغض النظر عما يعرض عليه من انحطاط صباحا ومساء لينصرف إلى المكتبات العامة والندوات الثقافية التي لا شأن له بها، ولكن اللوم يقع على أولئك المرتزقة الذين استغلوا سذاجة بعض الجميلات بمنحهن وعود الترف الأسطوري مقابل استغلالهن في أسواق النخاسة العصرية، وتحويلهن من فتيات بسيطات حالمات إلى سفيرات يمثلن بلادهن في عوالم الفن ومسابقات الجمال وعروض الأزياء. اللوم أيضا ينصب على رؤوس الحكومات التي لا تقصّر في فرض وجهة نظرها على عقول المبدعين والمفكرين والعلماء، ولا تتوانى عن إعمال مقصّات رقابتها في أعمالهم، في الوقت الذي تفسح المجال واسعا أمام كل هذا الانحطاط الإنساني والأخلاقي ليعبث بعقول ملايين البشر. وأستشهد هنا بقرار الحكومة المصرية بحظر منح الرخص للقنوات الفضائية الدينية دون تمييز بدعوى مكافحة الإرهاب، وبشكل يتزامن مع منحها لإحدى محطات الفيديو كليب رخصة للعمل في مدينة الإعلام في العام الفائت. كل هذا يجري لمجاراة الغرب الذي لم يبذل الكثير من الجهد في سبيل إقناعنا بأن الحضارة تمر من تحت أفخاذ الغانيات، وعلى مرأى ومسمع مثقفينا ( المتنورين ) الذين يرون في هذا الانحطاط فاتحة خير لعصر الانفتاح العربي الذي عانى طويلا من الركود والانغلاق، وما زلت أذكر استياء مفكرنا الكبير إدوارد سعيد إزاء احتجاج بعض أولياء الأمور على مدرّسة عربية كلفت تلاميذها الصغار بدراسة رواية ( الخبز الحافي ) لمحمد شكري، بما فيها من وصف "جريء" لنزواته الجنسية، عادا أن أمثال هذا التزمت هو السبب في ما نحن فيه من تخلف! لا بد إذن من التذكير بأن الانفتاح الذي يتحدثون عنه، أو الانحطاط الذي يتحدث أمثالي عنه، لم يظهر في الغرب إلا بعد أن قطع شوطا طويلا على السلم الحضاري، بل إن أصواتا كثيرة ما زالت تعلو هناك بجرأة لتنادي كل يوم بضرورة الحد من هذا الانحطاط المستشري قبل فوات الأوان، ولكن تحالف الرأسمالية الجشعة مع السلطة البراغماتية (النفعية) سيقف في ما يبدو حائلا  من دون تمكن هؤلاء العقلاء من إحداث أي أثر في المجتمع، وسيظل المجتمع الغربي ماضيا في انحطاطه إلى مصير لا يعلمه إلا اللـه . أما عرّابو ثقافة الانفتاح في مجتمعنا فلم يفهموا من الحضارة إلا قشورها، وظنوا أن الانحطاط الذي جعله ابن خلدون نتيجة حتمية للترف والبذخ في عصر انحطاط الحضارات وسببا مباشرا لأفولها، ظنوه سببا في نهوضها وانبعاثها من كبوتها، وهم يعلمون يقينا أن الحضارة الغربية ذاتها قامت في عصر الأنوار على العفة والأخلاق، بل وعلى منع المرأة من كثير من حقوقها التي لم تحصل عليها ـ أيضا ـ إلا في القرن الماضي! العيب ـ يا سيدي ـ ليس في التقليد والاقتباس، فلو أننا بذلنا هذا الجهد في تحصيل العلم الغربي ونقله إلينا وتوطينه في بلادنا لما اعترض أحد على ذلك، ولكن العار كل العار في بذل أموال وعقول وطاقات شعوب تئن تحت وطأة الفقر والأمية وانعدام الأمن في سبيل إلجامها بتلك الغرائز الرخيصة. لا شك في أنهم قد نصبوا من انحطاطنا شرطا رئيسا لنهضتنا، ولا شك في أننا نفذنا الخطة بحذافيرها. فهل أنجزنا شيئا يا ترى؟ وهل سينجون بفعلتهم مرة أخرى؟ أرجو أن نجرؤ على مجرد التفكير في الإجابة.




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home