القلم النقدي

 

الشاعروالقضية

عبدالسلام ناس عبدالكريم



الشّعـــر والقضــّـية قراءة في مجموعة ( قرابــين)1 لمحمد بودويك ليس من قبيل المفاجأة والصدفة أن يتواجد قرّاء النّقد ، طيلة العقدين الأخيرين ، إزاء وضعية الصّمت والفراغ بصدد أطروحة الالتزام في الأدب . وليس غريبا أن يواكب هذا الصّمت النقدي تحوّل نوعي ملحوظ في صيغة الخطاب الشّعري المحايث الذي أخذ يتّجه نحو استبعاد كلّ تأثير خارجي مباشر في مجرى إبداع القصيدة . بيد أنّ المسكوت عنه لا يقلّ فاعلية عن المصرّح به، لأنه ينطوي على تصريح ضمني بأهمية ذاك المبعد المضمر، ويحفّز فعل القراءة على إظهاره وإعلانه . يصحّ هذا الجرد بالنّسبة لتأطير قصيدة التشكيل التي ساد نمطها طيلة العقد التّسعيني . أمّا إذا ما سلّمنا بمبدإ تحوّل القصيد في العقد الأول من القرن الحالي نحو ضفاف التّعبير، فإن تصاديات الالتزام بالقضية تبدو أقرب إلى البروز والتجلّي على مساحة الإبداع الشعري، وإن بدت خافتة محتشمة على مستوى التأطير النقدي. ومن بين الأعمال الشّعرية الحديثة التي أخذت تستشفّ وجهة التعبير عن كنه القضايا الإنسانية، في تماسّها مع صيرورة الحدث وتقاطعها مع المشهد الواقعي ، أضمومة ( قرابين ) للشّاعرالمغربي محمد بودويك. تتصدّر هذه المجموعة الشّعرية المشكّلة من عشر قصائد، قصيدة ( قرابين) التي اعتمد عنوانها دليلا لعنونة الأضمومة. القصيدة يتقاطع فيها الشعري بالحكائي، و هي عبارة عن مطلع وصفي لا يحيد عن مستوى أعراف الاستهلال السردي الذي يتصدر عادة أبهاء النصوص الحكائية، ويساهم في رسم فضاءاتها الزمكانية التي تطوق بقيدها السّحريّ حركات الشخوص القادمة إلى مسرح الأحداث. هذا الفضاء النصّي يتجلّى في البداية كفضاء اعتيادي مفتوح على الأفق ، تعلوه الشمس وتحيط به الأشجار وتجلوه الرياح , بيد أن السارد/ الشاعر يستلذّ بإعادة تشكيله وفقا لما تقتضيه تواشجات الرؤية البصرية، مع فيض الوجدان واعتمالات الفعل التراجيدي وارتجاعاته . فتؤول الرّؤية بمقتضى هذا التمازج إلى كشف حلميّ ينساب عبر مسارات الاستيهام الخلاّق . ومن ثمّ يتحوّل القضاء عبر هذه السّيرورة ، من فضاء موسوم بترسّبات الواقع الخارجي العياني، إلى فضاء هلامي يمتدّ إلى أعماق الوجود الذاتي ، لتتراءى من خلاله الأبعاد والامتدادات البشرية وهي تنثال فوق الآنات وتخترق الأمكنة وتسكن في جوهر الأشياء . اللوحة الإطار تستدرج إذن، إلى صلبها خطوط الحركة البشرية المشوبة بالامتداد والتشخصن، بينما الشخوص الإنسانية تتخللها سمات التشيّؤ المقرونة بقيم الانحدار والتدنيس: ( أصدقائي النبلاء من الشحاذين والخنافس... مبعثرون في الضواحي .. يبكون ذبائحهم التي ركلها البعل (2) ( قرابين..ص7 و8 ) من هنا سيؤسس هذا الفضاء بنية الغثيان ويحوّلها إلى مشهد رهيب ستحلّق في محيطه نصوص الدّيوان بشخوصها التّراجيدية القادمة من عالم الأموات الذين لم تخمد لهم الأنفاس، فعاودوا التّحليق فوق التراب بسمات الرّعب وألوان الاصطخاب : هلموا ياشعث الرؤوس .. كمقابض المناجل الخاسرة تبدون، وتبدو سوءاتكم في مرآة الكهف الوسيعة غامقة ليست هي بل مضاعفها الصقيل.. فوحوا..اتشروا كالكذب الصراح دونكم الشقوق.. دونكم أخاديد تقود إلى اللمع.. (3) ....................... دمي دمي لا يسمعه الشتاء يمنح عواءه للموت الرحيم كلما علا صوت الموتى القادمين بالنشيد... أضع الإكليل على صدإ الخاطر مخاتلا هطول الرماد (4) و سيلاحظ القارئ أنّ الصّوت الشّعري الذي تجلّى في بداية القصيد ملازما لموضوعية الحكي، سرعان ما سيعلن ، في الأسطر الأخيرة، انفصاله عن فرضية الحياد السّردي، ويعوّضها بمنطق الانفعال الذي يسير في اتجاه تذويت خطوط الرّؤية للكون والمحيط . حتّى أنّ الذّات السّاردة نفسها تبدو و كأنّها واحدة من شّخوصها الموصوفة، التي تصرّ على أن تجاهر الكون بالمقت و الاشمئزاز والغثيان: ( سادتي: أكلمكم فأتدحرج أكلمكم فأتلجلج يصيبني العي وأرتج أبحث عن معنى أبلج ! عن فيئ تحت شجر النارنج.. (5) إنّ هذا المرصد الشّعري الدقيق من شأنه أن يمكّن القارئ من استجماع بعض الملامح النّصية الدالّة على تيمة الالتزام في لبوسها الوجودي السارتري القائم على رؤيا التّطهير، التي يشخصها حسّ الغثيان في ارتهانه إلى الإحساس بفظاعة انهيار القيم وتحوّلها السلبي الضارّ بجوهر الأشياء. ففي قصيدة ( سيجت الخرافة ..والجلاد) التي يهديها الشاعر إلى الشهيدة الفلسطينية ذات العشر تبرز بعض السّمات الدالّة على الرّهان الأساسي الذي انطلقت منه القراءة، وهو الكنه التراجيدي المهيمن على مسارات الرؤيا الشّعرية، المتشبّع بآثار الغدر والإهانة والشماتة التي تتجرّعها الأنا الفردية في لبوسها الجمعي . إنها حكاية القضية القومية التي تتجاوز محيط الواقع المحدود وفجائعه الفرعية إلى الفاجعة الأم ( نكبة الأمّة) التي لا ينفكّ الذهن خلالها يعصر منطقه كي يقيم القناعة بفحواها القدري وموقعها الاعتيادي في قاموس البؤس الإنساني الموشوم في ذاكرة الأزل. ومن هذه البؤرة يفجّر الشّاعر- السّارد طاقات هائلة ملؤها التبصّر بخلفيات الحكي الدّرامي وسمات العلامة الشّعرية المفعمة بقوة الإيحاء والتدليل. بيد أنّ هذا البعد الدرامي الموسوم ستلازمه نبرة خطاب تمدّ خيوطا دفيئة هذه المرّة (خلافا لما سلف كشفه بصدد النبرة الخطابية الحادّة المهيمنة في للقصيد الأول) تجاه تلك الطفلة الفلسطينية الشهيدة ، الرمز البطولي المهيب الذي تستدعيه الذاكرة الجمعية، ويحضنه الشاعر بوجدانه النابض وبريشته المرتعشة ، المتأمّلة في عمق المشهد بحزن و صمت : أضأت الأرض أنّ من أنينك حجر وتفتت وجه السماء. كأنّك ما انكمشت حين سرسب الدم مسكا على وشاح المذبح (6) هذه الأنثى- الشهيدة ، أوالطّفلة الرّمز التي تطلّ من عمق الوجدان الشعري، تشكّل بالنّسبة للشّاعر تجسيدا لصدى صرخة مبحوحة كلّت من كثرة الدويّ والارتطام ، ولكنّها تسعف في المقابل بعطر الافتتان ووشي الإعجاب : أنا سمعت الضحية تقول للجلاد وقد تأرج بضحكتها الفضاء هل أيقظك رفيف الغزالة على منديل زوجتك المرتجفة من عواء الريح وهل أوصيت الصف الثاني باعتراض جرس المدرسة واعتقال ناطورة العين (7) ومن خلال المحكي الشّعري لهذا المدخل الوصفي المشحون بالنوايا المضمرة ، تبدو أنا الشاعر عازمة على تخطيط المسار لتشكيل وعي ممكن.. غير أنّ هذا الممكن لا ينبغي تصوّره خارج نطاق الشعر. فهو الشعر ذاته بأسئلته الأنطلوجية الكبرى ، وفتوحــاته العرفانية وبناه الجمالية التي تستعصي على الوضع ضمن قوالب ضيّقة، بل تحفّز الشّعر على أن يؤسّس وجوده الخاصّ. أمّا مسؤولية كشف أبعاد الرّؤية فأمرها موكــول إلى القارئ، إذ هو الكفيل بتمرير الوجود الشّعري الخاصّ إلى الوجود الموضوعي العام. ذلك (لأن الكاتب/ المبدع حينما يختار أن يكشف العالم من خلال كتاباته فهو يفعل ذلك مـن أجل غيره من الناس وليس لأجل متعته الشخصية )(8) . ويقودنا هذا البيان الى الإقرار بأنّ ( قرابين ) القصيد / الأضمومة هي مغامرة شعرية داخلية يراد لها أن تطلّ على الخارج. إنها مغامرة داخلية كاشفة تطلّ على الآخر عبر رؤى بصرية visions محيطة بالكائن المحطم تحت وقع تجربة الحرب والقهر. وهذه الرؤى تؤول بفعل الاحتراق إلى رؤيا شعرية rêve poétique يراد لها أن تنكتب عبر مجرى القلم، من دون أن تتكلّف عناء البحث والتفتيش عن الكلمات. الحقيقة الإنسانية، وفق هذا المنظور الوجودي، ليست حقيقة الإنسان المجرد، بل الإنسان المتواجد في عمق الحدث و ملموس التاريخ. و هي غير قابلة للتفكيك والتجزيء، لأنّ جوهرها واحد، هو الشرط الإنساني la condition humaine ، الذي تغمره الفجيعة المنبثقة من لهيب الحرب والدّمار. فالصّراع إذن، هو مظهر دالّ ّعلى الكنه الإنساني التراجيدي. وهو المنبّه الذي يطوّح بالأطر المتقادمة لفكرنا ومشاعرنا، والإطار الذي يطوّق مفهومي الهيمنة والاستعباد ومفهومي المقاومة والنّضال، وتحسم في ظلّه النتائج التي تفضي إليها المواجهة. الصّراع هو الفعل التراجيدي الذي يطبع التجـربة الوجودية بميسم تجاوز الأعراف المصطنعة والعودة إلى الصفاء الإنساني. هذا الجوهر النقيّ تمثّله نصيّا (راشيل) الفتاة الأمريكـية المجاهدة في سبيل نصرة الكرامة الإنسانية، ضدّا على مشيئة شعبها المتغطرس تجاه قضايا الشعــوب المستضعفة: راشيل الآن تمازح قناصة بارعين: وضعت دمها جنبها وراحت تدخن أرخت فجرها كجديلة طفلة على باب تفضي إلى شقتها هناك رأت عربات وناطحات نبتت على شجر نيويورك كي تأوي طيرا خائفا ووهجا قرمزيا صفق قرب الضفاف..(9) ثمّ إنّ السّجل التراجيدي الدال على الفجيعة، لا ينفصل عبر مجموع القصائد، عن سياق المعجم الديني الذي قد يتسم أحيانا بقدر من الإجلال والمهابة في صلته بحقل القدر والمشيئة:( الصلوات – يوم التغابن- تعالوا إلى كلمة سواء – وما تلك بيمينك ؟ ) وتارة بنحو من السخرية والنقد في علاقته بحقل السلوك الديني المفارق ( أبواب المساجد الصدئة –صلّوا شكرا للأبالسة- صلّوا نياما وزحفا - أعبر بالرماة جبلا عريان). هذا الإحساس بالمفارقة هو خصيصة ملازمة لوجدان هذا البطل التراجيدي جرّاء الإكراهات التي تطوقه، والتي ترغمه على ضرورة الحسم والاختيار . ومن ثمّ فهو يسعى إلى التّعبير عن هذا الاختيار من خلال معجم أخلاقي تطهيري يتوخّى محو رواسب العجز والاستسلام من ناحية، وإذكاء العزم وحسّ التمرّد من ناحية أخرى: ( هاهم أولاء يدكون عظامي أمامي ............ آه .. ياوطني دعني أجمع ما تناثر من دمي (10 ) حدقي مليا ماذا تغير في الخائب أنا؟ ألسنا من بكى سويا من قلة حيلة وهواء...(11) تلك بعض سمات الالتزام التي تستجمع خطوطها حول حول مقولة الحرية وملامح البطل التراجيدي التي تتمثلها أنا الشاعر. إنّ المقبولية الأدبية لكلمة ( تراجيديtragique ) تظلّ رهينة العلاقات التي يقيمها الإنسان مع القدر. خاصّة إذا سلّمنا بإنّ لفظة تراجيدياtragédie المنبثقة عن اللفظة اليونانية ( tragus) التي تعني التيس، ومن كلمة hydia التي تعني النشيد . ومؤدّاهما معا هو: ( نشيد التيس أو التيوس ). ومن ثمّ فهي تعبّر في الواقع عن المحفل الطقوسي الذي أقامه الإغريق لإلههم ديونيسوس dyoysos إله الريح والجنون. ممّا يدل على أنّها نوع فنّي مقدس، وأنّها لا تعبر فقط بشكل مسطّح عن مجرّد كونها نوعا مسرحيا.فهي تستند على الوعي بالقدر المحتوم، أو المشيئة fatalité التي تتحطم على جدارها حتما كلّ المشاريع والمساعي . وإزاء هذه المعركة الخاسرة مسبقا فإن المشاعر الطهرانية التي يحملها الجمهور عادة هي الرعب والشفقة والإعجاب. على هذه الخلفية نلاحظأنّ أنّ الوجدان الشّعري يتوفّر على رصيد هامّ من هذه المشاعر الطهرانية ، بجانب توفّره على عزيمة قوية للبقاء في ارتباط مع العالم المحسوس، دونما استسلام للقدر أو فرار إلى المثالية غير المشخّصة.بل هو ينفعل تجاه المواقف الضّالة التائهة التي تسيح في الرّمال المتحركة المسجيّة بظلال الأعراف الشكلية المحتضرة، حيث الأشياء تلمس بالقفازات وترصد خلف الأقنعة: سادتي الخصيان .. ياسادتي الخصيان طوبى للزؤان ما تحفنون نخالة وتخالون رغفان ! لكن في منتصف الوقت يتأبد الغربان ....(12) هذا هو الواقع الذي تتقاذفه الصّراعات والحروب وما تزجيه من صور البؤس والفظائع. الواقع الذي لا يمكن تطويقه إلاّ من خلال القفز فوق اللحظات، نحو عالم متغير هو في نهاية المطاف عالم الإنسان. عالم تتوزّعه حقيقة موضوعية مظلمة ووجدان ذاتي متحفّز يتغذى بمشاعر إعادة التوازنات، واسترجاع حسّ المعنى الواقعي ومحاولة التقدم فوق سبل أكثر وضوحا وإشراقا: قمر مرقش بالنمش كخذروف طفولتي استفز فحولتي وطنين الغوايات الأولى فتسلّل إلى أسرّة الأوراق وتوسّد صبّر اللّهب هاأنا أفتح لماء الغواية الطريق (13 ) هوامش: 1- منشورات اتحاد كتاب المغرب . الطبعة الأولى : 2007 2- قرابين/ قرابين ص7 3- قرابين/ قرابين ص8 4- قرابين / وما تلك بيمينك ص 43 5- قرابين/قرابين ص13 6- قرابين/ سيجت الخرافة والجلاد ص17 7- قرابين / سيجت الخرافة والجلاد ص 19 8- Laurent Gagnebin, connaitre Sartre 1972 p :35 9- قرابين/ صرنا دما فردا 31 10- قرابين/ صرنا دما فردا 23 11- قرابين/ ثلج المرارات 52 12- قرابين /قرابين ص12 13- قرابين/ قمر أبريل 70 عبد السلام ناس عبد الكريم كاتب من المغرب




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home