القلم الفكري

 

نيودلهي .. المدينة المودل

أسامة رقيعة




بقلم أسامة رقيعة
www.osamaregaah.com

مجموعة من القناديل الخافتة تضئ ، وفيما بينها يظهر وميض متناثر يجعل المشهد وسط الظلام كجمهرة من الحباحب ، تلك الكائنات الطائرة التى تتكاثر في المناطق الاستوائية وتصطاد بضوئها ووميضها ماقد تكاثر وتناثر من بعوض وما في حكـمه .
هذا هو منظر نيودلهي من على مقعدي في طيران الامارات الانيق ، وعلى ذكر طيران الامارات دعوني اقر بأن الحياة في الامارات عبارة عن ورطة .. لا تكتشفها إلا عندما تحلق خارجها فاذا كنت في دبي فلاشئ سيرضيك في خارجه .. كل شئ ستشعر به متأخرا وبطيئا ولا يرضى طموحك .. فقبل ان اجلس على مقعدى هذا بيومين كنت بمدينة عربية عدت منها مرهقا من مطاراتها وطيرانها وتعقيداته التي كلفتني ثلاثة ايام وحقيبة، نعم ثلاثة ايام ضاعت منى دون سبب وكذلك حقيبة ، ليس هذا فحسب بل انه بدلا من الإقلاع صوب دبي كانت نهايتي مطار ابوظبي بعد المرور الإجباري بعاصمة عربية اخرى.
المهم ان دلهي جميلة ومودل ، نساؤها مودل ، وأشجارها مودل ، وأنت فيها لابد من شعور جميل ينساب في داخلك كانسياب شعور نسائها ، ولكنها أيضا قد لا ترضيك مائة في المائة ، فانك ان وجدت الخدمات فلن تجد ذلك الاتساق والتصنيف الجميل لسلوك الذين يعبرون الطرقات ، أو يتحدثون ، أو يطرقون نوافذ سيارتك يسألونك العطاء ، والهندي يتميز بإلحاح وإصرار ممتاز ... ففي احدى الشوارع الجانبية للسوق الكبير الذي في وسط دلهي وقف احد الباعة الى جواري وظل يعرض لي فرشاة هزازة لتمشيط الشعر ثم يؤكد لي بكل السبل انها تنفع للمساج ثم يدلك بها ظهري ، وراسي ، وحواسي ، وانا اقول له اني غير راغب بها ولكنه يتبعني ثم أحاول التلطف معه ولكنه يصر ويتبعني ثم اختفيت منه وسط الزحام وسرت لمسافة طويلة وفجأة وجدته أمامي وهكذا قررت عندها ان انقده عشرة دولارات ليريحني ولكن صديقي الهندي الاصل والقادم معي من دبي تولى الموقف في اخر لحظة وأقنعه بانه لا جدوى من محاولاته وانه يجب عليه ان يغادر طريقنا فورا ورغم ذهابه عنا لكني تبعته بنظري طويلا وكأنما شدني فيه هذا الإصرار الذي قد يكون مفيد في بعض الاحيان .
ثلاثة أيام عمل في دلهي قررت بعدها ان اتذوق المدينة فليست من عادتي أن أكون في مدينة ثم لا أتذوقها .. أقصد ان أتلمس معاناة أهلها واعرف فنونها في إتعابهم ، وان لا اكتفي بالنظر لها من خلف نوافذ الفنادق ولا من خلال زجاج سيارات اليموزين ، لذلك طلبت من سائقي ان يركن سيارته في مكان آمن ثم يأخذني راجلا إلى دلهي القديمة وان نركب المترو معا وسط الزحام ورغم استغراب السائق لطلبي الا انه أعجبته الفكرة ونفذها معي بحماس ..
ومن دلهي القديمة خرجت بقناعة مفادها أن التعاسة لا تخلقها السياسة وحدها ، بل تخلقها المسافة التي قد يصنعها الإنسان فيما بينه والسماء ، انها ليست حكمة دينية مني في بلد غاندي ولكن هذا ما بدأ لي ، فالأكثرية يظهر عليها الجفاء للسماء وللروح ولبعض سماحة غاندي ... الجميع يبدون لاهثين خلف رغبة مادية ما، ففي إحدى البازارات أو الأسواق الشعبية احترت وانأ أرى إلف من الباعة يسوقون بتنافس رهيب بضائع تافه لا يتعدى رأس مالها قيمة وجبة متواضعة ! ما الذي خلف هؤلاء الناس ؟ انهم مرهقين ، والإرهاق المادي لا يصيب قاع المدينة فقط ، وإنما لاحظته في قمتها أيضا فطوال أيام تواجدي كانت أجهزة الإعلام تتحدث عن عدنان ابن الرجل الثري الذي قتله أصدقاؤه لسبب مجهول قالت فيه الصحافة : لأنه ثري أو لأنه يتميز عنهم ، أو لأنه يحتقرهم فالصورة لم تتضح بعد ، وعدنان عمره 16 سنة تظهر في ملامحه رغد النعيم ، ولسبب أو آخر اغتالوه أصدقاؤه الأربعة وحين مغادرتي لدلهي تم القبض على ثلاثة منهم ونشرت صورهم ، وفي الحقيقة لم انظر إلى صورهم المعلنة في الصحف ولكن انشغلت بالتفكير في المسافة التي يصنعها الإنسان دوما فيما بينه وبين السماء تلك التي تجعل الصداقة بلا معني والفقر بلا غاية والثراء بلا هـدف ، اليست هي التعاسة بعينها !
وفي دلهي القديمة قد تجد المترجل والذي معه ركشة ( دراجة عادية غير بخارية ركب من خلفها مقعدا يسع لشخص واحد وأحيانا لشخصين وتستخدم للنقل والمواصلات ، أما ما نسميه نحن في السودان ركشة أو رقشه فهو (الاوتو) أو (التكتك) كما يسمى في اليابان وهو عبارة عن دراجة بخارية بثلاث عجلات مع غطاء يسع لثلاث أو أربع أشخاص )، كما تجد الدراجة البخارية العادية والتاكسي ، وفجأة يصبح الشارع إمامك عبارة عن قدر متحرك قد يتخذ قرار مفاجئ في أي لحظة وبالتالي أنت وحظك .
عندما وقفت أمام بوابة الهند سألت سائقي ولماذا بوابة الهند في دلهي خاصة وفي وسطها لا عند مدخلها ، فقال لي : أن هناك أخرى في مومباي ، وبوابة الهند عبارة عن مبنى مرتفع كمبنى من عشرين طابق أو أكثر وعندما تقترب منه تجده ملئ بالأسماء .. إنها أسماء الجنود الهنود الذين ماتوا أو قتلوا في الحرب العالمية الثانية لقد ماتوا ولم يجد الإحياء غير أسماؤهم ليكتبوها في هذا المبنى الذي يزار من قبل كل من يصل إلى الهند وفي اللحظات التي كنت أزوره فيها كانت التجهيزات جارية لزيارة رئيس وزراء اليابان هذا الشاب النحيل الذكي . قال لي سائقي هامسا وهو سعيد بحضوره لهيبة التجهيزات : أن تحت هذا المبني يوجد أهم مكتب عسكري في الهند ولا ادري أهو صادق أم لا ،غير اني لم انكر عليه خبريته فهي بأي حال لا تهمني أكثر من الإنسان الذي مات ثم لم يبقى غير اسمه معلقا هنا ، لقد مات ثم شنقنا أسمه هنا ولم نتعلم كيف نحب بعضا البعض في سلام .
أما عند مدخل الجامع الكبير فقد كانت لى تجربة مختلفة ، فقد صعدت درج باب عبد الغفور حتى شعرت بالتعب لعلو المدخل ثم وانأ على رهقي وجدث ثلاث رجال متحلقين حول صحن الطعام لقد كانت الساعة الثانية عشر ظهرا ، أنه الغداء فيما يبدوا وانهم هم المسؤلين عن هذا المسجد الكبير، ولما رآني احدهم ترك الطعام وتقدم نحوي ، ان الرجل في لحيته وملابسه شبه لي أحد أبناء قبيلة البني عامر الذين يسكون عندنا في شرق السودان ويقال أنهم قد اتو إليه من أرتريا ، ولما دنا مني الرجل الهندي تكلم معي ولم افهم منه سوى عبارة مائتان روبية ، ولكن عندما طالعت لوحة الدخول فهمت ان كل من يدخل المسجد وفي يده كميرا تصوير عليه أن يدفع مائتان روبية ، وبالتالي نقدته المبلغ وخلعت حذائي ، وحاولت التوجه إلى داخل المسجد ، ولكن الرجل منعني واخذ حذائي في يده ، أنه لم يعر دهشتي اهتماما بل أصر أن يصاحبني إلى المتوضأ فتخليت عن دهشتي وشعرت بالامتنان نحوه خاصة عندما حمل مسقط الماء بيده ليسهل لي عملية الوضوء ، ولكن لم يكتب لامتناني ان يكتمل ، فما إن فرغت من وضوئي حتى طالبني بقيمة خدماته فأدخلت يدي في جيبي وسارع هو يؤشر إلى النقود التي خرجت من جيبي ليطالبني أن امنحه فئة معينة من النقود وتحت عودة الدهشة والاستغراب وانتهاء الامتنان منحته ما طلب ولا إداري كم هي أو لماذا اختارها بالذات لكن قطعا أنها أجود له من غيرها على الاقل في تصوره هو .
ودخلت إلى صحن المسجد الجميل .. شاهدت الحمائم مثل تلك التي نراها في الحرم المكي أو عند أسوار البقيع ورغم جمال النفحات الروحية التي صادفني في فناء المسجد إلا أن بالي كان مشغولا بمواقف الرجل الذي تلقاني عند المدخل لماذا هو لم يتعفف ؟ لماذا هو لم يتركني أتوضأ من الوضوء المجاني المتاح في صحن المسجد ؟ ولماذا أحرز حذائي ؟ اهو خوفا من السرقة ؟ أم محاولة منه لكسب بعض الروبيات ؟ ولماذا الناس يسرقون أصلا وخاصة في أمكان لم تعد للهوى دعك من السرقة ، وعندما خرجت من المسجد طالبني الرجل بمقابل إحرازه للحذاء فلم اعره اهتماما وامتلأت مقلتاي بالدمع ليس لما فعله الرجل معي ولكن حزنا على ضعفنا لقد صرنا ضعافا لاننا لا نعرف لماذا نحن على هذه الأرض




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home