دراسات هامة

 

الأصول العربية الإسلامية لعلم المصطلح

عبد العزيز المطاد



بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

الأصول العربية الإسلامية لعلم المصطلح

 

 

ذ. عبد العزيز المطاد

جامعة ابن طفيل-المغرب

 

 

مقدمة:

 

إن المصطلح العلمي العربي يرتبط أشد الارتباط من حيث الأصل و النشأة بظهور العلوم و الصناعات و الفنون ونموها وتطورها و اكتمالها . فالعرب الأقدمون اهتموا بالقضايا العلمية –حسب روايات عديدة- قبل ظهور الإسلام ولكن النص القرآني مكن من تطور هذه العلوم ومن ظهور علوم أخرى سعت إلى خدمة القرآن الكريم و تفسيره وفهم ألفاظه ومصطلحاته ومفاهيمه وتراكيبه ومعانيه و وجوه إعجازه .واكتسبت اللغة العربية من خلاله قداسة جعلت العلم بها و بألفاظها ومصطلحاتها فرضا من فروض الكفايات . فالعلماء المسلمون اعتبروا العلم بالعربية و دراستها حماية للدين وللذكر الحكيم .

 قال أبو منصور الثعالبي في مقدمة كتابه"فقه اللغة": "والعربية خير اللغات والألسنة ،والإقبال على تفهمها من الديانة إذ هي أداة العلم و مفتاح التفقه في الدين و سبب إصلاح المعاش والمعاد .ثم هي لإحراز الفضائل ،والاحتواء على المروءة و سائر أنواع المناقب .كالينبوع للماء ،والزند للنار .ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها . والوقوف على مجاريها ومصارفها،والتبحر في جلائلها ودقائقها إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن .وزيادة البصيرة في إثبات النبوة الذي هو عمدة الإيمان لكفى بهما فضلا يحسن أثره ويطيب في الدارين ثمره" (-الثعالبي:"فقه اللغة" مقدمة الكتاب).

وقال السيوطي في المزهر:" ولاشك أن علم اللغة من الدين لأنه من فروض الكفايات وبه تعرف معاني ألفاظ القرآن والسنة."(السيوطي "المزهر"-ج2 ص302)

 .

وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:"لايقرأ القرآن إلا عالم باللغة".

وقال الفارابي في خطبة ديوان الأدب:"القرآن كلام الله وتنزيله،فصل فيه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم .ولا سبيل إلى علمه وإدراك معانيه إلا بالتبصر في علم هذه اللغة".

وقال ابن فارس في كتابه"الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها":"القرآن نازل بلغة العرب ،ورسول الله صلى الله عليه وسلم عربي ،ومن أراد معرفة ما بكتاب الله عز وجل وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلمة عربية أو نظم عجيب لم يجد من العلم باللغة بدا".( ابن فارس :"الصاحبي"-ص64-بيروت )

وبفضل النص القرآني ظهرت مصطلحات وعلوم عربية كثيرة لم يسبق إليها كعلم التفسير و علم أصول الفقه وعلم الحديث ومصطلحه وعلم الكلام . كما ظهرت مناهج علمية كان العرب مبدعوها كمنهجية الجرح والتعديل في الحديث و الجمع والتدوين في اللغة...ولقد اعتبر بعض المستشرقين اللغة العربية أدق أداة وأخلصها لنقل بديع الفكر على الصعيد العالمي .

 قال المستشرق ماسينون:"إن المنهج العلمي قد انطلق أول ما انطلق باللغة العربية ومن خلال العربية في الحضارة الأوروبية ." (-مناف مهدي محمد:المصطلح العلمي العربي قديما و حديثا-  ص144)

 

ويعتقد كثير من المؤرخين الغربيين أن كثيرا من المناهج والنظريات العلمية صناعة عربية ، فقد سبق ابن الهيثم إلى تحديد مقياس سرعة الضوء وتقدير زوايا الإنعكاس والانكسار ، وسبق ابن النفيس السير وليام هارفي إلى اكتشاف الدورة الدموية الصغرى ،وكتب الإدريسي و الخازن عن قانون الجاذبية قبل نيوتن بقرون .بل ان الخازن ربط بين السرعة والثقل و المسافة ،وهي العلاقة التي صاغها نيوتن بعد ذلك في قوانين ومعادلات فيزيائية.أضف إلى ذلك أن الأطباء العرب عرفوا الجراحة وعلم التشريح وعلم النفس منذ القديم ،ولهم في ذلك مصنفات وصلنا منها الكثير تشهد لهم بالأصالة العلمية و العمق الفكري وما خزانة قرطبة إلامن دلائل ذلك،فقد حوت وحدها زهاء ستمائة ألف مجلد في مختلف العلوم و الفنون والآداب.

فلا شك إذن أن اللغة العربية التي صنفت بها كل هذه العلوم على اختلافها وتنوعها كانت أداة طيعة لخلق وتوليد المصطلحات العلمية . فمفاتيح العلوم مصطلحاتها ، ولكل علم من هذه العلوم ألفاظه واصطلاحاته الخاصة به، الحاملة لمفاهيمه ، الشارحة لقضاياه .لذلك كثرت الاصطلاحات العلمية بتكاثر العلوم وتطورها .ولو كانت وصلتنا كاملة لجاءنا منها الكثير . فكثير من الجهود الفكرية  

 


          

 


                                                                                                                                                                                                                                                                                                        العربية  القديمة اتخذت طريقها إلى فضاءات النسيان، ونعتقد أن للفكر العربي القديم نتائجه وخصائصه التي تفتقر إليها النظريات الحديثة، كما أن للنظريات المعاصرة خصائص تميزها عن الفكر العربي القديم.

فالعرب الأقدمون طرحوا العديد من القضايا التي تخص الظاهرة الاصطلاحية وضعا وتوحيدا وتحديدا كما كان لبعضهم موقف خاص من دخول المصطلحات في بطون المعاجم العربية، بل إن بعضهم مال إلى إنشاء رسائل في الاصطلاح أدت إلى تطوير الحركة المعجمية وظهور المعاجم القطاعية أو الخاصة التي تحوي اصطلاحات علم من العلوم أو فن من الفنون.  

هذه القضايا التي تمس الظاهرة الاصطلاحية يمكن -في اعتقادنا- استثمارها داخل التنظير المصطلحي الحديث، إلا أن هذا الاستثمار تلزمه مرحلة أولية متمثلة في استخلاص القضايا المتعلقة بالمصطلح من الكتابات اللغوية والمنطقية والفقهية والأصولية والكلامية ومن مناظرات الفرق الكلامية لأن الفكر العربي القديم لم يكن يفصل الظاهرة المصطلحية عن هذه العلوم، بل لم يكن يفصل -في الغالب- بين العلوم اللغوية والأصولية والكلامية والمنطقية إذ تجد الخطاب العلمي عندهم تتداخل في إنتاجه مختلف الأدوات العلمية واللغات المتخصصة بعضها يكمل بعضا. لذلك تم طرح قضايا الاصطلاح داخل هذا العموم المتناسق المتقاطع. إن استخلاص هذه القضايا المصطلحية من هذا الكم المعرفي باتجاهاته المختلفة قد يمكننا من وضع نظرية مصطلحية عربية إسلامية تضرب جذورها في أعماق الفكر العربي الإسلامي القديم وتمتد أفنانها صوب النظريات المصطلحية الحديثة.    

فمعلوم أن القضية المصطلحية بدأت، منذ أمد ليس ببعيد، تفرض نفسها على الساحة الفكرية المعاصرة، وظهرت أبحاث حاولت معالجة المصطلح لكنها ظلت وفية لما توصل إليه الفكر الغربي من نتائج وقواعد مع ما سببه هذا الوفاء -في اعتقادنا- من تنحية للفكير العربي القديم ومن إظهار من قضية التراث الفكري الإسلامي. فالرجوع خطوات إلى الوراء واجب بدافع استرداد هذا الملك العربي الإسلامي الموجود وإعادته إلى الوجود الفكري الحالي ومعاودة طرحه في إطار المنظور الحديث. فرب خطوة إلى الوراء قد تشكل قوة للتقدم خطوات إلى الأمام.

ربما ليس صوابا -عند البعض- أن نحاول كسر الزمن وإلصاق الماضي بالحاضر وبالمستقبل، لكن هذا إنما هو بنية إدماج فكر في فكر مشابه له من حيث الموضوع، لا بنية تغليب فكر على فكر لاحق له من حيث الظهور، لأننا إذا زعمنا أن علم المصطلح أسس له الفكر الغربي اللاحق فإن للفكر الإسلامي فضل السبق وله ما يميزه عن الطرح الغربي الحديث . فالمصطلحية كعلم قائم على أسس نظرية محددة، لم تشهد ميلادها إلا في أواخر هذا القرن وما زالت في طور النمو والتكامل أما الطروحات العربية الإسلامية القديمة التي تمس الظاهرة الاصطلاحية فقد تناولت الاصطلاح باعتباره ظاهرة فكرية لا باعتباره علما مستقلا، لذلك كانت أبحاثهم في المصطلح وقضاياه (الوضع -التوحيد -التحديد -الرسائل -المعاجم). متصلة بعلوم أخرى (المنطق -علم الاستدلال -البلاغة -علم الأصول ) بينما وجود نظرية خاصة -بالمصطلح تهتم بدراسة اللغات الخاصة للعلوم والفنون لم تظهر إلا في إطار التصور الحديث لقضايا المصطلح (النظرية العامة والنظرية الخاصة في علم المصطلح). هذه القضايا المختلفة، التي تحاول النظريات المصطلحية الحديثة دراستها، ويحاول المهتمون من العرب بعلم المصطلح الاستفادة من نتائجها لمعالجة المصطلح العربي، عولجت في الكتابات العربية القديمة. لذا فمن واجب البحث العربي في قضايا المصطلح محاولة إعادة طرحها في أبواب متناسقة تسهم في معالجة المصطلح العربي وتحيي بابا من أبواب التراث الفكري العربي ينضاف إلى جهود الباحثين في التراث حتى لا يظل الفكر العربي سجين الأخذ، محظورا عليه العطاء.         

فمجموع النتائج التي توصل إليها المفكرون العرب القدماء والتي تخص قضية المصطلح، نعتقد أنها خامة ولود يمكن اتخاذها منطلقا تأسيسيا وتصورا عربيا أصيلا إزاء الظاهرة الاصطلاحية فيه قسطه من السلبيات كما لا يخلو من الإيجابيات. فقد يكفينا في شقة الإيجابي لمواصلة البحث ويسعدنا فيه قسطه السلبي للتأريخ ولا يريحنا قط تجاهله وعدم الالتفات إليه.

 

1- حد اللفظ وماهية الاصطلاح .

حاول العديد من المفكرين العرب القدماء تحديد ماهية الاصطلاح نذكر منهم : الزبيدي والخفاجي وأبي البقاء الكفوي وعلي الشنوفي والقاضي الجرجاني والقرافي وابن حزم والفخر الرازي والتهانوي الخ. 

لقد وضع هؤلاء مقاييس خاصة باللغة الاصطلاحية أثناء تمييزهم بين العرف العام والعرف الخاص. فمفردات العرف الخاص (المصطلحات) تكون دلالتها مجهولة عند العامة ولا يتداولها إلا الأخصائيون لأنها تستعمل في أغراض تواصلية لا تهم سواهم. والعرف العام يصبح خاصا بعد إفراغه من المعنى العام تم شحنه بمعان خاصة في نطاق الاصطلاح المتعارف عليه بين أهل العلم.

فالخاصية الأساسية التي تقوم عليها الظاهرة الاصطلاحية قديما هي حصر دائرة التخصص لأن بها تحدد العمارة المفهومية للوحدة المصطلحية.

فلا دلالة للمصطلح إلا داخل عرفه الخاص ولا قيمة له خارجه لأنه يصبح وحدة من وحدات العرف العام. والمصطلح في الطرح القديم هو مواضعة منبثقة عن طائفة متخصصة في صناعة من الصناعات عن طريق كلام متقدم بين المصطلحين على وضع اللفظ بإزاء المعنى. فالمواضعة عندهم لا تكون إلا بإجماع لأن أهل الصناعات إذا تواصلوا إلى بعض التصورات كان لزاما عليهم وضع اصطلاحات لها «على هذا ما نشاهده الآن من اختراعات الصناع لآلات صنائعهم من الأسماء» (ابن جني -الخصائص -ج 1- ص 45) وما نشاهده من اختراعات النحاة لمفاهيمهم من الأسماء كالفاعل والمفعول والحال والصفة .

فهذه الأسماء في تصور القدماء بيانات لفظية تحمل تصورات ومفاهيم خاصة بصناعة من الصناعات ولا وجود لهذه البيانات «إلا بكلام متقدم بين المصطلحين على وضعها» (ابن حزم -الأحكام في أصول الأحكام -ج1- ص30- الرازي: التفسير الكبير، ج 1 ص25).

 

2- قضيـة الوضع والاختراع:

تطرق العديد من المفكرين العرب القدماء إلى قضية الوضع والاختراع في اللغة وجوزوها وحددوا أطرافها وأركانها وأنواعها والكيفية التي يتم بها وضع المصطلح أو اللفظ للمعنى سواء كان موضوع الخلق متعلقا بإنشاء مصطلح أو لفظ جديد في معجم اللغة أو تعلق الأمر بخلق دلالة جديدة للفظ قديم.  

لقد لاحظ المفكرون العرب القدماء أن اللغة ملزمة بالتطور في كل عصر وكل حال لتتماشى مع التصورات والمخترعات الطارئة. قال ابن تيمية «إذا اتسعت العقول وتصوراتها اتسعت عباراتها» (الرد على المنطقيين ص 66)، لذلك وجب على كل   «طائفة استحدثت آلة في صناعتها أو وقفت على أمور فيما تتعاطاه من العلم وضع أسماء مستحدثة لها في كل عصر وكل حال» (القاضي عبد الجبار -المغني- ج5 -ص 175)

وقال ابن حزم الأندلسي «لا بد لأهل كل علم وأهل كل صناعة من ألفاظ يختصون بها للتعبير عن مراداتهم وليختصروا بها معاني كثيرة» (التقريب لحد المنطق ص 68). فالوضع والاختراع مرتبطان بتطور الأمة على الصعيدين الفكري والحضاري إذ ظهور المعارف الجديدة يحتم بروز المصطلحات الدالة عليها. قال ابن وهب الكاتب: «ومن هذا الجنس اخترع النحويون اسم الحال والزمان والمصدر والتمييز والتبرية وأخرج الخليل لغات العروض، فسمى بعض ذلك الطويل وبعضه المديد وبعضه الهزج وبعضه الرجز» (البرهان ص 159).

ولقد أكد ابن وهب أن ظاهرة الاختراع اللغوي صحية في كل لغة وأن «هذا الباب مما يشترك العرب وغيرهم فيه، وليس مما ينفردون به» (نفسه). وأحسن تعريف للوضع هو ما قاله الشنوفي في الحقائق النحوية والمنطقية: «الوضع العربي جعل اللفظ دليلا على المعنى» (ص 25).      

وللمواضعة في الفكر العربي القديم أطراف وأركان حددها اللغويون والأصوليون وهي الواضع والموضوع والموضوع له. أما الواضع فهو من يضع اللفظ بإزاء المعنى وأما الموضوع فهو الأصوات المتقطعة التي تشكل الألفاظ المعرفة للمعاني، والموضوع له هو المعاني أو المفاهيم التي وضعت لها الألفاظ، أي: المعنى المعبر عنه بواسطة «الموضوع».

ولقد ألح المفكرون العرب القدماء على ضرورة الالتجاء إلى الوضع بشقيه: الشكلي والدلالي من أجل خلق اللغات الاصطلاحية «فلا يمتنع عندهم أن تحدث لغات كثيرة بسبب الاصطلاح، بل ذلك معلوم بالضرورة. ألا ترى أن الناس يحدثون في كل زمان ألفاظا ما كونوا يستعملونها قبل ذلك» (الرازي -المحصول -ج1 -ص255)، كذلك أهل الصناعات كلما أدركوا معاني جديدة وضعوا لها مصطلحا يعبر عنها إما بخلقه وارتجاله وإما ينقل معنى لفظ يسيح بين العامة أو الخاصة إلى حقل تخصصهم وقد نبه على ذلك «المكلاتي» في «لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول» عندما كان بصدد تفسير مصطلح «الوجود» قال: «والنظار لما أدركوا معاني لم تدركها العرب واحتاجوا أن يضعوا لها ألفاضا، ولم يجدوا في كلام العرب لفظا لها، لأن الجمهور إنما يضعون الألفاظ لما أدركوه وما لم يدركوه فلا يضعون له لفظا، نقلوا إلى تلك المعاني لفظة الوجود» فكل معنى اصطدم به أهل النظر وكانت الحاجة إلى التعبير عنه أهم كان وضع اللفظ بإزائه أولى. وقد روي عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظا لم يسمعاها ولم يسبقا إليها، وعلى نحو هذا قال المازني: «ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم»، وأيضا كان الأصمعي مشهورا بأنه يزيد في اللغة ما لم يكن منها. وقد جوز فقهاء اللغة -في الأغلب- القياس، فعلم قبولهم بذلك ارتجال ألفاظ جديدة وإدخالها في معجم اللغة، وهذا ما أطلق عليه المعجميون والمصطلحيون بعد ذلك التوليد الصوري      أو الشكلي. بل إن من المفكرين العرب القدماء من رأى بأن هناك من المعاني مالا يجوز ترك اللغة خلوة عن ألفاظ ومصطلحات دالة عليها. فالمعاني والمفاهيم عندهم قسمان: قسم تكثر الحاجة إلى التعبير عنه ولا يجوز خلو اللغة عن وضع مصطلح بإزائه، لأن الحاجة لما كانت شديدة كانت الدواعي إلى التعبير عنها متوفرة، والصوارف عنها زائلة، ومع توفر الدواعي إلى التعبير عنها وارتفاع الصوارف وجب وضع ألفاظ واصطلاحات تحملها. وقسم لا تكثر الحاجة إلى التعبير عنه ويجوز خلو اللغة عن لفظ يدل عليه.          

وهناك من المفكرين القدماء من حاول بيان قدرة اللغة العربية على التعبير عن المعاني والمفاهيم المختلفة بواسطة الألفاظ والاصطلاحات ورد عجز اللغة التعبيري إلى عدم قيام أهل العربية بالأوضاع الضرورية.

 فالفكر العربي القديم ميز بين خلق الصور وخلق المعاني ولكل منهما مسالك وآليات لا تمام له إلا بها. فالاشتقاق والنحت والتعريب والدخيل مولدات للأشكال أما المجاز والترجمة والاستعارة والكناية فمولدات للمعاني. فالصورة المولدة في تعبير ابن رشيق هي ما لم يسبق إليه قائله (العمدة). وهي الاسم المخترع في كتابات ابن حزم وابن سينا والفارابي. أما المعاني المولدة فهي في تعبير الكفوي: إخراج الشيء من معناه اللغوي إلى معنى آخر لبيان المراد (الكليات -93) وهي تسمية الشيء باسم ينقل عن موضعه الأول في كتابات القاضي الجرجاني والرازي وهي عند ان رشيق استخراج معنى من معنى سابق وهي عند ابن حزم تسمية الشيء باسم منقول عن شيء آخر (الإحكام) الخ.   و أركان التوليد الدلالي  في التصور اللغوي القديم هي الناقل والمنقول عنه والمنقول إليه، ويقصدون بالناقل الشخص أو الفئة التي قامت بعملية نقل اللفظ من معناه الأول إلى وضح ثان وهو ضربان: عرف عام يخص اللفظ العام وعرف خاص يخص اللفظ الخاص (المصطلح). أما المنقول فهو عندهم: اللفظ المفرغ من حمولته الدلالية، المشحون بوضع دلالي جديد، والمنقول إليه هو المفهوم أو المعنى الطارئ الذي جعل اللفظ المنقول مصطلحا له.  

3- المصطلح واشكالات التوحيد:

إن من القضايا الجوهرية التي تحاول النظريات الحديثة في علم المصطلح معالجتا قضية التوحيد في الاصطلاح،  وهي قضية اهتم بها الفكر الإسلامي القديم ولا أدل على  ذلك ما جاء من ملاحظات في أبواب الترادف والاشتراك والمجمل والمبين وغيرها من الأبواب التي تناولت اللفظ من جاذبية الدلالي في الكتابات اللغوية والبلاغية والأصولية. ذلك أن كثيرا من الأحكام التي تسري على الألفاظ -عندهم- قد تسري كذلك على الاصطلاحات، باعتبارها ألفاظا خاصة، بل إن منهم من أطلق اصطلاح اللفظ في كتاباته وأراد به المصطلح فالمفكرون العرب القدماء نادوا بضرورة تخصيص كل معنى بلفظ أي: «أن يكون بإزاء كل معنى لفظ يختص به، ولا يشركه فيه غيره، فتنفصل المعاني بالألفاظ ولا تلتبس» (ابن يعيش -شرح الملوكي- ص: 96).  

فانطلاقا من هذه القاعدة التي أوردها ابن يعيش يعتبر خرق مبدأ التوحيد معوقا للتداول ومخلا بالفهم التام وضبط المقصود على سبيل التمام. وما كان كذلك كان منشأ للمفاسد وما كان منشأ للمفاسد وجب ألا يكون (الرازي -المحصول -ج1 -ق-1 -ص 350).

ولقد توصل بعض المفكرين العرب القدماء إلا أن خرق مبدأ التوحيد راجع إلى تعدد الجهات التي تتوالى عملية الوضع، وإلى الوضع الفردي ومن ثم ربطوا بين الوضع وإشكالات التوحيد (الترادف -الاشتراك )، لكنهم ورغم رفضهم لهذا الخرق فهم يرون أنه مفروض على كل لغة ومنطقهم في ذلك أن الألفاظ متناهية والمعاني غير متناهية، والمتناهي إذا وزع على غير المتناهي لزم الاشتراك.

4- المصطلح وقضايا الحد والتعريف:

الحد موضوع شكل هاجس اللغويين والأصوليين والمناطقة والفلاسفة وفئات كثيرة من المفكرين العرب القدماء . وإن الخوض في قضايا الحد أدى إلى إنتاج تصورات عديدة تحتاج إلى تجميعها وإعادة طرحها في شكل نظرية عربية متناسقة. ومن أهم الكتابات العربية القديمة التي حاولت معالجة قضية تعريف الاصطلاحات: «رسالة الحدود» لبن سينا و«مفتاح العلوم» للسكاكي و«الرد على المنطقيين» لابن تيمية ومجموع فتاوي ابن تيمية (باب المنطق -المجلد: 9) و«الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (باب الألفاظ الاصطلاحية الدائرة بين أهل النظر) و«حدود النحو» للفاكهي و«معيار العلم» للغزالي و«شرح الكافية» للاستراباذي و«شرح تنقيح الفصول» للقرافي و«الارشاد في قواعد الاعتقاد» للجويني و«شرح الإرشاد» لأبي القاسم الأنصاري و«منطق المشرقيين» و«القصيدة المزدوجة في المنطق» لابن سينا و«كتاب الحروف» و«الألفاظ المستعملة في المنطق» للفارابي و«الحدود والرسوم» لإخوان الصفا و«الكليات» لأبي البقاء الكفوي ومناظرات فخر الدين الرازي الخ.     

هذه الكتابات حاولت معالجة قضية التعريف، وإشكالاتها وأوضحت المقصود من تعريف الاصطلاح، ووضعت له شروطا وأقساما ووظائف وكيفيات لا يركب الحد إلا بها، وكان غرضهم تقديم وصفة جيدة للتعريف .

كانت هذه باختصار شديد بعض القضايا التي طرحها الفكر العربي الإسلامي القديم والتي تشكل، في اعتقادنا، ثروة يمكن استخلاصها من هذه الذاكرة العربية القديمة على اعتبار أنها شكلت ثورة فكرية في ذلك العهد وما زالت أهم إشكالاتها مطروحة على الساحة المعجمية والمصطلحية الحديثة. وما ذكرناه من قضايا في هذا المشروع ليست سوى ما توقفت عنده قراءتنا للمثن العربي القديم ونحن مزمعون إن شاء الله تعالى على إتمام رحلة القراءة لاكتشاف قضايا أخرى مؤسسة للتصور العربي القديم للظاهرة الاصطلاحية.

 والله المستعان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home