قصة

 

نور وقطعة الشيكولاتة

محمد إبراهيم محروس



نور وقطعة الشيكولاتة .

بقلم محمد إبراهيم محروس

 

طفلة صغيرة تتراقص في الطريق تحمل على وجهها ملامح قسوة .. تعبر الطريق أمامك ، ولا تعبر ..تظل تتراقص بين العربات في قسوة وعنف .. بندول متحرك وهي تمد يدها للمارة بعلبة المناديل .. تتابعك بعينيها المتسعتين ،وقد غطى ملامحها الطفولية شيء من الغموض ، وكأنها قادمة من عالم آخر ..

تتعلق عيناك بها لثوان ، ثم تتركها؛ لتكتشف أن هناك شيئًا يحدث بداخلك ..

تتعلق بك في روحتك ومجيئك ، تجد ظلا لطفلة تتشبث بملابسك ، تحاول أن تفر منها ، ولكن تلاحظ أن الإلحاح شيء من طبيعتها ، برغم سنواتها التي لم تتجاوز الخمس ، ولكنها كأنما جبلت على الحياة دون قصد .. وكأنها تعرفك جيدًا ما تفعله ..

تمد أنت يدك في جيبك ، تتحسس أوراقًا مالية ضخمة ، تبحث عن فكة وسطها ، تجد نصف جنيه أصابه التمزق ، تعطيه لها وتنصرف .

تلمحها تتباعد؛ لتتشابك يدها بملابس آخر يعبر الطريق، وهي تمد يدها بعلبة المناديل ..

ترى في عينيها – ووجها الذي بدأ الشحوب يرسم معالمه عليها- نوعًا من التمرد على الدنيا .. ترسم في خيالك صورة لها في المستقبل ..وتتمزق أمعاؤك ..

بعد فترة ولمكوثك الدائم بالقرب من مكان تواجدها ، تتعود عيناك على رؤيتها ، تفتقدها أحيانا .. تبدأ تضع في جيوبك فئات صغيرة من العملة تحسبًا للظروف ، وفي جيب جاكت البذلة تضع قطعة كبيرة من الشيكولاتة .. بعد فترة تبحث بعينيك عنها ، تحاول أن تتقرب منها ، ولكن نصف الجنيه الأول الممزق أعطاها إحساسا بأنك غير عطوف ..

تهرب هي من طريقك ، وقد ترميك بنظرة متنمرة .

تحاول أن تبدو إنسانا تقترب منها ، تضع في يدها عملة ورقية كبيرة ، وتخرج من جيبك قطعة الشيكولاتة؛ لتمدها إليها ، لا تهتم بالعملة الورقية ، تنغرس عيناها في قطعة الشيكولاتة، تأخذها بأصابع مرتجفة، تفتح ورقها اللامع ، تقضم منها في تلذذ ، تنظر إليها في فرح ، تري ابتسامتك ، تعيد لك الورقة المالية في أنفة عجيبة ،وهي تقسم القطعة نصفين ، وتعطيك نصفها لتشاركها ، تتوجس نفسك خيفة، وأنت ترى قذارة يدها .. ترى هي تلك النظرة الخائفة في عينيك ، وتتنمر ملامحها ، تلف القطعة في ورقتها وتدفعها في يدك .. تشعر أنك خيبت رجاءها ، تنظر إليها في تسامح لا تعرف من أين يأتي ، ثم تخرج قطعة الشيكولاتة من ورقتها ، وتضعها في يدها مرة أخرى ، ثم تأخذها من يدها وتقسمها نصفين ، وتدفع النصف الذي يخصك في فمك وأنت تبتسم ، تبدأ هي في استحلاب الباقي .

تعتاد مع الوقت وجودها بجوار عملك ، تخرج تبحث عنها دائما .. تعرف أن اسمها نور ..

أصبح باكو الشيكولاتة الفاخر أحد أهم الأشياء في جيبك ، وكأنه هاتفك المحمول .. تمد يدك دوما تتحسس جيبك لتطمئن على وجوده ..

البعض ينظر إليك متشككا أحيانا وأنت تقف بعربتك في الإشارة ، وتفتح لها الباب لتدخل ، تدلف بملابسها الرثة ، يحتل جسدها جزءًا صغيرًا من المقعد بجوارك ، تدفع يدك في جيبك، تخرج باكو الشيكولاتة ، تدفعه في يدها لتقسمه اثنين ، وترمي الغلاف الفضي خارج السيارة ، تقسمه بيدها ؛وكأنها تؤكد سيطرتها عليك ، وتدفع لك النصف تضعه في فمك وتبتسم .. تشعر بنبع من الصفاء الداخلي لا تعرف من أين يأتي .

تتأمل وجهك في مرآة السيارة الأمامي ، وتتأكد من نظافته جيدًا ، تمد يدها بعلبة مناديل من التي تبيعها إليك وترفض أخذ ثمنها ..

أصبحت العادة أن تقف بسيارتك في الإشارة؛ لتتناول أنت وهي قطعة الشيكولاتة في تلذذ غامض غريب ، وسط استنكار البعض ، ونظرات الفضول ..

تمر الأيام ، تجد أن التعلق بها أصبح غريبًا جدًا عليك .

لا تبغي أحيانا وسط ملل الحياة سوى أن تتطلع إلى وجهها الهادئ ، الذي هربت منه بعض ملامح القسوة .

تبدأ يومك بإحساس مختلف .. تبتسم وتتذكرها ، وتتذكر أن هناك شبه ميعاد بينك وبينها ، وكأنها أصبحت من ثوابت حياتك ، تتأكد من رابطة عنقك التي تشعرك بالاختناق ، تذيل بعض الغبار العالق بالبذلة ، وتضع عطرك الفاخر ، وتتأمل وجهك ، شعور بالانتشاء يشملك .

تشعر أنك تأخرت ، تهبط في لهفة ،تخرج بالسيارة مسرعًا ، لا تريد أن تتأخر على ميعادها ، تراها في الإشارة ، تلمحها تتنطط بين العربات في سرعتها وشقاوتها ، تري هي سيارتك ، تقبل مسرعة- وفي عينيها ألق رهيب وطاقة من النور مرتبطة باسمها نور - وهي تتراقص بين السيارات العابرة .

لا تنتبه هي للسيارة الفارهة التي تقطع الطريق بسرعة ، تتسمر ملامحك على السيارة المسرعة وأنت تصرخ : نور.

تسمع صوت الارتطام كانفجار مكتوم ضرب جسدك كله، الذي انتفض بعنف ، وقد طار جسدها الصغير في الهواء لأمتار قبل أن يرتطم بالأرض .. قلبك تتسارع دقاته بفزع .. ترى جسدها على الأرض ينتفض بعنف ، تجري وتجري ، ترفعها بين يديك تغرق الدماء بذلتك وعلبة المناديل ، التي كانت تحفظها من أجلك .

ترى الناس تحدق فيك ، ودموعك تغرق وجهك كله ، تصرخ بانكسار رهيب ، عندما ترى أنها فارقت الحياة .

يتوقف الزمن بك ، تضع جسدها على الأرض وأنت تبكي .. تجلس بجوارها على الرصيف تبكي ، وتبكي .

تمد يدك في جيبك لتخرجك باكو الشيكولاتة ، تتحسس جيوبك وتفتشها لا أثر لقطعة الشيكولاتة ، تكتشف أنك نسيتها .. ترى باكو المناديل الذي يخصك قد غرق بالدماء .

تزداد دموعك في الانهمار وللأبد .

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home