قصة

 

أنـــا والـــورقـــــة

محمـــد فــــري



 

 أنا والورقة

 وضعت الورقة أمامي.. وقررت أن أكتب قصة..نعم..ولم لا؟..الكل يكتب الآن..فلم لا أدلي دلوي..وأخوض المعمعة مع الخائضين؟..فلأتحرك إذًا..مادامت الحركة بركة كما يقولون. فكرت أن أمارس طقوسا عند الكتابة كما سمعت كبار الكتاب يفعلون، فقد يساعد ذلك على تدفق الأفكار، وفتح شهية القلم، واسترضاء ربات الإلهام.

حملقت في الورقة البيضاء حتى كادت عيناي تنزلقان من محجريهما، ركزت كثيرا مستجمعا كل حواسي وعناصر إدراكي، محاولا استرضاء بنات أفكاري، لكن الورقة ظلت فارغة تتحداني ببياضها، واستعصى القلم وأضرب عن إسعافي..وكأن بينهما عصيانا اتفقا عليه، فأكبرا علي أن أحشر في مصاف الأدباء.

غير أنني استنجدت بعنادي، ولم أرضخ لنزوتهما، وصممت على أن أكتب شيئا كيفما كان شكله وجنسه، فالكتابة هي القصد والغاية، وتبا للموضوع،ولأستعن على ذلك بأي شيء، حتى ولو تعاويذ وتمائم، فالأسباب كثيرة والغاية واحدة.

قذفت شبة وحرملا في الجمر فتصاعد دخان كثيف ملأ الحجرة وغطى أركانها، ثم انقشعت بعض غيومه تدريجيا لتتجلى صورة شيخ معمم ذي لحية

شعثاء وعينين ماكرتين..فخطر ببالي أن أكتب عن الفقيه المشعوذ الذي تتزاحم أمام بيته أفواج النساء الباحثات عن حلول لمشاكل العنوسة والزواج ..وجموع اليائسين المتشبثين ببلسم أو تعويذة تبعد السوء، وتفتح أبواب الأمل..أعجبتني الفكرة، وراودني مشروع الكتابة عنها، وما أن نويت ذلك حتى أحسست بشرارات تلسع قفاي، واكتشفت أن عيني المشعوذ مصدرها..فأحجمت..وقرأت التعويذة..ثم التمست السلامة من أصحاب الحال والأولياء الصالحين.

عزيت نفسي بأن الأفكار كثيرة..والبخور الذي انقشع عن وجه المشعوذ سينقشع عن وجه آخر، وكأني استطلعت الغيب، إذ سرعان ما انكشفت أمامي صورة أخرى، حملقت فيها فإذا بوجه امرأة مثقل بالمساحيق، ترسل عيناها نظرات متحدية، وينطلق من فمها صوت العلكة كالمدفع الرشاش

-         طقطقطق طرطلق

راوغت الطلقات الموجهة إلى مسمعي وخطر ببالي أن أكتب عن الجنس.. والبغاء..وأستلهم سوق المومسات، فهو سوق لا يهدأ إواره، الداخل إليه مفقود، والخارج منه مولود، ولابأس أن أطرز كلامي ببعض التعابير والأوصاف الجنسية المثيرة..فهى مما يذكي الحواس، ويشعل نار الرغبة في النفوس، ويثير فضول القراءة. ارتحت للفكرة، وشمرت عن ساعدي..وتهيأت للكتابة وأنا أستلهم عبارات من الروض العطر وعودة الشيخ إلى صباه..واعتقدت أن كتابتي ستنافس حبوب الفياجرا..وأشرطة البورنو العتيدة..وتخيلت الشهرة ساعية نحوي تختال كغادة مفتوحة الذراعين..لكنني ما أن استسلمت لهذه التداعيات الشهوانية حتى تصاعدت النجوم تتراقص أمام عيني..وشعرت بألم اكتشفت أن مصدره صفعة " ناعمة " نزلت على قفاي من حيث لا أحتسب..والتفت لأفاجأ بالمرأة المومس ترعد وتبرق، والشرر يتطاير من عينيها، وقد اختلطت حمرته بلون شفتيها.. فأمسكت بتلابيبي محتجة عن استيحائي منها دون مقابل، مهددة إياي بالويل والثبور إن أنا أضفت كلمة واحدة أخرى من دون مراعاة حقوق المؤلفة الممارسة. رفعت الراية البيضاء، وقبلت الأعتاب مسترضيا ومعلنا الطاعة والولاء..ولم أنس أن أتمتم ببعض الأبيات الغزلية، العذرية منها والإباحية إلى أن هدأت المرأة..وتلاشت صورتها مع الدخان..فتنفست الصعداء، وحمدت الله على النجاة.

عدت صاغرا إلى ورقتي البيضاء، فاستقبلتني بابتسامة ساخرة متشفية، فغاظني مكرها..وهمني عنادها، وقلت: سأقاوم حتى النهاية..وإنها لثورة حتى ينتشر السواد في عقر البياض. استلهمت البخور.. وسلمت الأمر لأهل المكان..واستعطفت البخور عله يطلع بوجوه أخرى تكون فاتحة خير وبركة..وفعلا تراقصت أمامي سحنات كثيرة تبينت منها سحنة الكاتب النحرير ذي القلم الخطير..ثم سحنة رجل الأعمال الحاج القوالبي صاحب الصولات والجولات..والسيارات الفارهة والفيلات..وتلت ذلك ملامح زعيم الحزب اللعوب..العارف بأسرار تكديس الجيوب..وحمدت الله على هذا الوحي الكثير..والغنم الوفير..وعولت على استلهام فصاحة هؤلاء..أطعم بها فراغات الصفحة البيضاء..وما أن شرعت في اقتناص هذه الشذرات..حتى تناهى إلى سمعي ضجيج جوقة موسيقية عم صداها المكان..ليظهر رجل البرلمان، في زفة منقطعة النظير..يوزع الوعود مشفوعة بالابتسامات والنظرات الواعدات..وأتباعه وراءه يجرون ثورا سمينا سيكون مأدبة سخية لمن يبيع الأصوات في حملة الانتخابات..

وهكذا تتالت الوجوه المختلفة..وأيقنت أن زمام الإلهام قد انقاد للقلم..ولن تملك الورقة اللعينة إلا الاستسلام..فغمرتني فرحة عارمة..وعلمت أن الظباء قد تكاثرت على خراش..وما عليه إلا أن يختار ما يصيد..فالحمد لله على هذه الثروة الوفيرة من المواضيع الكثيرة الصالحة للكتابة والضامنة للنشر والانتشار..

لويت عنق القلم..وعصرت رأسه على الورقة منتصرا..أتوعدها بفض بكارتها..وتسويد فضاءاتها..غير أن ما لم يكن في الحسبان..ولم يخطر على الأذهان..هو أنه في اللحظة ذاتها..سمعت هرجا ومرجا.. وضجيجا يكاد يصم الآذان فالتفت هنا وهناك.. وإذا بالوجوه أراها متربصة..تشع من عيونها نوايا غير بريئة..فأيقنت أن السلامة في صحة الأقدام..وهربت ناجيا بجلدي لا أكاد ألوي على شيء..ملتمسا النجدة والغوث..بينما قهقهات متحدية ماكرة..تصلني وتلتصق بسمعي..فألتفت لأكتشف ورقة ظل بياضها ناصعا مشعا..يخطف الأبصار..ويعمي العيون !!

 

محمــد فــري

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home