قصة

 

من المجنون

محمود الحروب



من المجنون ؟؟!!

 

قصة قصيرة / محمود الحروب

 

تصطف الأبنية القديمة، باسقة على جانبي السلم الرخامي الطويل ، وبدت الحزازيات التي نمت عل حجارتها، خضراء تميل إلى السواد. أبواب البنايات موصدة على أحلام خلت ، لا يعرف بالتحديد في أي زمن غابر قضي أصحابها . على جنبات السلم نبتت أعشاب وحشائش ، استحالت بفعل تقاعس عامل النظافة إلى مجمع للأوراق والنفايات.

 

وقفت مرارا أمام السلم، تتأمل درجاته العتيقة، وفي داخلها ثورة من الأحاسيس الغريبة ، تدفعها إلى رغبة ملحة لصعوده في يوم ماطر .. يدها في يده ، وجسدها ملاصقا لجسده، ليصلان حتى نهايته .

أفضت له ذات يوم في ذات جلسة حميمية مع رشفات القهوة المرة ، وأنغام الموسيقى ، بما تأسره من رغبة تكاد تفجرها.. ابتسم ، وقال باستغراب:

-         مجنونة..!!

ردت عليه بنبرة كاد الشوق يخنقها:

-         أنت من علمني الجنون .. رجل المفاجآت الأول ..

     قال وقد أحس بعمق نبرتها:

-         أنصعده على مرأى الملإ..؟

-         سيخيم علينا المطر.

-         مجنونة..!!

-         وربما احتضنك في آخره

-         ألم أقل مجنونة..!!

لم تكن هي أكثر جنونا من تلك اللحظة ، إذ بدت فيها كفراشة تسبح في أفق يغص بالموسيقى ، حيث قامت من مكانها .. سحبته لتضمه ، وغمغمت باكية :

-         أعصرني كما لو أني ليمونة ..

لم يمنحه مزاجه في هذه الأثناء قدرا كافيا من العشق ليطفئ نارها .. فكل ما استطاع فعله أن يقول لها :

-         سأصعد معك السلم ، في المطر ، حتى إن وصل الأمر حد احتضانك في آخره..!

ابتسمت فرحة وهتفت :

-         من منا المجنون الآن ؟؟

-         أنا..

منذ أن سمعت منه هذه الكلمات ، وهي تنتظر أن يهديها القدر يوما ماطرا ، وما أن تحقق ذلك ، في ذات نوفمبر ، حتى طلبته وهي واقفة أمام السلم ، من هاتفها النقال ، حيث رُد عليها :

- لا يمكن الوصول إلى الرقم المطلوب حاليا ، يرجى المحاولة فيما بعد ...!

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home