القلم السياسي

 

بعد تقرير ميليس

نهاد عبد الاله خنفر



 

بعد تقرير ميليس

الحريري، يبكيه كل العالم... عرفات، أين من يبكيه؟

نهاد عبد الاله خنفر

 

تحول العالم إلى ما يشبه المبكاة النهرية المتدفقة بالأحزان، تخترق كل أقاليم العالم وجغرافيته، سواء من عرف الأنهار من قبل أو من لم يسمع بها إلا في هذه المرة، وها هو العالم بغالبيته يمارس هواية البكاء التي لا تمارس إلا في توقيتات محددة، فتحول قسم كبير منهم إلى بكَّائين مهرة، وكأنهم في دور تمثيلي يخشون أن يفقدوه فيفقدون بذلك مصادر رزقهم التي لا غنى لهم عنها، فظهر الامر وكأن لكل منهم ثوب قد فصل على مقاسهم الخاص لبلورة الأدوار، أياً كانت، وكيفما كانت، ومتى كانت أيضا، هكذا بدا المشهد الدولي بعد إعلان النتائج الأولية التي تمخض عنها ما يعرف الآن بتقرير القاضي الألماني ميليس حول ظروف  اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي اعتبره شخصيا فقيد الأمة العربية والإسلامية، وفقيد الخير في العالم كله قبل لبنان، وهذا على الرغم ممن وافقوه وناصروه أو من اختلفوا معه وعارضوه، وقد يقف السبب الأساسي وراء تعاطفي الشديد مع الرئيس الشهيد الراحل هو تلك الآثار التدميرية القاسية التي خلفها رحيله جراء الجريمة السياسية البشعة التي أنهت حياته المادية على وجه الأرض، هذه الجريمة التي اعتقد أنها ستكون الأبشع على مستوى قرن مضى، أو لكأنها سترصد على انها جريمة القرن الحادي والعشرين، وقد أجزم بأنها ستوثق كذلك لما ستحمله من وبال قادم على المنطقة العربية وخصوصا في لبنان وسوريا وفلسطين وربما على الأردن، أي على دول الجوار اللبناني، هذه رؤية حتمية أتمنى أن يقينا الله وبال شرها المستطير. هذا ما تشي به الظروف الدولية الأولية والاحتقانات التي تحشد نفسها في متاريس شرياينة لا يعلم منقلبها إلا الله، ولَكُم أن تتخيلوا ذلك الشريان المحتقن في حالة الانفجار، الدماء في كل مكان، رائحة الشر المنبثقة من رائحة الدماء، وغيرها من المشاهد التي لا اقوى على وصفها او حملها الى اذهان القراء، او لاقل بانني لا اريد ان اكون نذير الشؤم بها.

          وجه المنطقة سيتغير، لا اعلم ان كان عن طريق تغيير الانظمة اطاحة او تطويعا او اذلالا، او حصارا وابتزازا، لا اعلم ايضا ممن سيسحب السلاح والى من سيعطى؟ من سيتعزز موقفه ويسيطر، ومن سيتهاوى وكانه لم يكن؟ لكل واحد فيكم ان يبني ويرسم ، أن يتخيل ويحلم، ولكن ليس من باب التشاؤم، وانما من باب القراءة الواقعية، لا اكثر ولا اقل. بعد هذا ولانني لا اريد الاطالة والغوص باعمق مما احتمل انا ذاتي، ولانني هنا لا امارس هواية التاليف او التوليف او التغليف، وعلى حساب من اصبحوا عند رب الحساب، بما لهم وما عليهم، فهذا الواجب مما قام به من هم اكثر اطلاعا واضطلاعا من اولئك الذين تقلدوا قصب السبق واغنوا ظروف الجريمة بسيول عارمة من التوصيفات والتحليلات والموشحات والمؤلفات والمقالات التي لا اعلم ان كانت ستتوقف، او متى ستتوقف، أو الى اين سينتهي بها مطاف الكلمات والتحليلات، ولانني من المؤيدين المطلقين لاستمرار البحث في اركان هذه الجريمة السياسية ومع تفنيد كل صغيرة وكبيرة فيها وفي حيثياتها وفي حيثيات العابثين بمصائر الشعوب، لشغفي الكبير في البحث عن انماط الحقيقة والوضوح، فهذا من اقل ما نتوقعه من من اهتمام في مثل هكذا جريمة قضت مضاجع العالم العربي من اقصاه الى مغرب شمسه، وهنا تستوقفني العشرات أو المئات من المواقف الفعلية والانفعالية والعملية التي يطالب بها المجتمع الدولي بغية الوصول الى اثباتات مؤكدة ومن ثم رفع وتائر التحقيق وادانة من يستحق الادانة ومعاقبة من يستحق العقاب، بغض النظر عن هويته او منبته او انتمائه.

          فمن الامم المتحدة الى مجلس الامن الى القوى الخمس العظمى الدائمة العضوية في المجلس، الى معظم القوى السياسية في لبنان، من تيار المستقبل الحريري، حتى حزب الله. انها دعوات محقة، ووتوعدات وتهديدات، شديدة الوطأة ، مرتفعة الوتيرة، تعقيدات وتشبيكات ما انزل الله بها من سلطان. هكذا لم تفت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد الحريري بدون تدقيق وبدون حثيث المتابعة، وبالتالي لن تفوَّت الامور بدون الكشف عن الحقيقة، واماطة اللثام عن وجوه المتورطين والضالعين والمتآمرين والمنفذين. أقول هذا وقد ظهر لي كما ظهر لغيري من اولئك الصحافيين والاعلاميين الذين حاوروا ميليس بعد تسليمه للتقرير، هؤلاء الذين شككوه في صحة الوصول الى عدد من الاستنتاجات التي ترتبط ببعض الاسماء التي ذكرت، سواء صدقت هذه الشكوك أم خابت وجانبت الصواب أم أصابت، وبالمعنى العام الذي اتغياه، هو انه على الرغم من الشكوك والتحليلات التي تدور حول بعض فقرات التقرير واكثرها حساسية، الا ان الحسم جاء سريعا، متواترا، خاطفا، لا يقبل تأويلا أو تأجيلا، أو تبديلا، وذلك للتحرك ضد المشتبه بهم ومحاصرتهم اعلاميا على الاقل. بالمحصلة ومع احترامي وتقديري واحساسي بحجم الكارثة التي حليت بلبنان والمنطقة على اثر اغتيال الرئيس الشهيد، ومع ادراكي الكامل لضرورة التحرك ضد من ينتهجون خط الاغتيالات والتصفيات السياسية وخصوصا في البلاد العربية التي تعاني الويلات من الاخطار والاحتلالات الخارجية التي اضنتها واضنت ابناءها.

          ما يهمني الان وقد تعودت أن أسوق رايي من ظلمة التراب والجذور، وحتى اغصان الثمر والسفور، هو ما اعلنه مجلس الوزراء الفلسطيني حول اسباب وفاة الرئيس الشهيد عرفات، والذي قال: بان عرفات قد تعرض لفيروس دخل الى جهازه الهضمي عن طريق الطعام، بل ان التقرير الذي غاص في التفسير اكثر من ذلك، وشخص الامور بوقائعها وفسر وبرر اسباب الانهيار المفاجيء في صحة الرئيس الشهيد، عندما قال: ان الطعام الذي تناوله اتي بواسطة وجبة العشاء التي تناولها بتاريخ 14/10/2004 ، ومن ثم بدأت اسوار القلعة تتساقط حجرا حجرا، الى ان ادت الى الانهيار الشامل، ذلك الانهيار الذي دخل مراحله وسط حالة من الذهول المتسائل، والمكثر من الاسئلة، وليس كما كان متوقعا، لكأن الانهيار الذي علم الفلسطينيون جميعهم أنه كان بسبب واضح ونتيجة لاعمال هدم مقصودة جرت في اسسه ومكوناته، الا ان احدا لم يسعف افواههم، ولم يلق بالا الى عمق تفكيرهم، الى احاسيسهم، الى قناعاتهم التي سبقت تقارير مجلس الوزراء بكثير، فالفلسطينيون في غالبيتهم قد اجمعوا على ان في الامر خيانة، فقد استطاعت الايادي السوداء ان تصل هذه المرة الى امعاء الرجل، الى عمق اعماق جسده، دونما جلبة، دونما توتر، دونما تفجيرات او طائرات أو دبابات، هذا ما استنتجه الناس البسطاء والعاديون في اللحظات الاولى لسماع الانباء حول سقوط الحجر الاول، فالتدهور المفاجيء، فالانهيار، بعد ذلك ، شكوك متراكمة، تحليلات مبعثرة احيانا، مركزة احيانا اخرى، الى أن جاء مجلس الوزراء الفلسطيني، فيقطع الشك باليقين، ويقول: اذا عرف السبب بطل العجب، فقد قضى عرفات اغتيالا بايد خفية بوجه وظاهرة بالوجه الاخر، حتى هذه اللحظة لم اسمع احدا يسال علانية كما يحصل في العادة ازاء الحالات المشابهة لما يحصل مع شخصية بحجم  الشهيد عرفات، فلا اسئلة على شاكلة، من اين جاءت الوجبة، من هو مصدرها، من هو الذي طهاها، من الذي اشرف على اعدادها، على تقديمها، على دس الفيروس في الوجبة، ومن ومن ومن ؟؟؟؟ لماذا؟ الهذا الحد وصلت الامور الى درجات عالية من التعقيد، العقد تحاكي العقد، والتشبيكات تحاكي التشبيكات، أم أن هناك من اقفلوا الابواب وغلقوا دونها اسباب السؤال؟؟

لا اقول هذا لانني اقدس انسانا بعينه، او لانني انوي الاستلقاء على اعتاب من ماتوا أو قضوا، ولا لانني مغرم بان انكأ الجراح، أنا باحث تعودت الاستلقاء على اعتاب العديد من القضايا التي تحتاج  الى تنقيب وتقليب وتفنيد وتحقيق، وانتباه ، ولهذا أسال، ألم يمت عرفات جراء جريمة سياسية مدبرة؟ الا يدل تقرير مجلس الوزراء الفلسطيني على ذلك؟ أم اننا سننتظر كما يحدث في العادة  قناة الجزيرة لتبحث في وفاة عرفات في واحد من برامجها الخاصة ( كسري للغاية، او الجريمة السياسية، أو حتى في برنامج ما وراء الخبر ) وخصوصا مع اقتراب الذكرى السنوية الاولى لوفاة الرئيس الشهيد.

في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يقال انهم رصدوا مكالمات هاتفية، وحللوا مصادرها، ورصدوا حورارات شخصية وثنائية جرت بسرية تامة، فحللوا محتوياتها، ويقال ايضا انهم فككوا من الرموز الكثيرة، وارجعوا الامور والمعلومات الغزيرة الى مصادرها، وطابقوا اصواتا واستبعدوا اخرى، ووصلوا الى ما وصلوا من النتائج، كل ذلك كان قد انجز في اربعة اشهر، جريمة غاية في التعقيد ، وينتهي التحقيق فيها على الاقل مبدئيا خلال اربعة أشهر، أما في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد عرفات، فلم هناك لا مكالمات ولا احاديث ولا رموز، هناك وجبة عشاء ( هكذا اعلن مجلس الوزراء في تقريره الرسمي ) ، وقد مضى على هذه الوجبة ما يقارب العام ولم يعلنوا الا انها وجبة عشاء، أقول : الناس تتساءل منذ ذلك الحين، من تسبب بتقديم تلك الوجبة، من وقف على تفاصيل اعدادها، فهي ليست الوجبة الاسطورية، وليست ما ئدة السماء، انها وجبة العشاء الاخير، العشاء الاخير في فلسطين لاحد ابرز زعمائها التاريخيين، وبالتالي فليس من المتعذر على المعنيين ان يتابعوها او ان يفهموا ماهيتها، وماهية المشاركين فيها، وطبيعة المواد التي دخلت في تصنيعها، وغير ذلك الكثير، ولعل المحتجين بعدم وجود الامكانيات لدى الفلسطينيين، فالمختبرات الجنائية العربية والدولية على اهبة الاستعداد، ولكن على الرغم من ذلك، فلم يكلف احد نفسه عناء البحث عن ذلك اصلا.

السؤال الكبير الكبير، هو، لماذا لم يبك احد شهيدنا الرئيس، مع كثرة الذين يتقنون هذه الهواية ويمارسونها؟ اين المطالبين بلجان التحقيق الدولية، في ظل وجود شبهة قوية قد تدين الاحتلال؟ اين المشتبه بهم المفترضين؟ هل تبخر كل شيء؟ أم أن الطرف الذي يقف وراء الاغتيال لا زال على صورته الهلامية والزئبقية؟ وبالتالي فانه جاهز للترجل مرة ثانية وثالثة واخرى واخرى ليعاود دس الفيروس في معدة احدهم ؟ فلا نعرف كيف سيكون السبيل القادم الى اغتيال شخصية وطنية جديدة، طالما ان المجرم يتحرك بكامل حريته، دون حصار اعلامي يضعه في دوائر الشبهة على الاقل؟  ولا نعرف ان كان هناك من سيتبنى من الاليات التي ستسعى الى كشف الحقيقة التاريخية التي اعيت الفلسطينيين وكثير من العرب على امتداد العالم، اذ انه من الضروري ان يتم البحث والكشف والتحري والاصرار على كشف عناصر الجريمة بالاستناد الى ما اعلنه مجلس الوزراء الفلسطيني الذي يفترض انه وضع نقطة البداية للانطلاق نحو معرفة الحقيقة، وعلى الفلسطينيين الاقتداء الكامل بالشعب اللبناني الذي اظهر قمة الوفاء لقائده الشهيد في البحث عمن قلبوا اتجاه الدفة السياسية في المنطقة برمتها، بالاضافة الى التركيز على ان كشف اسس الحقيقة في ظروف وفاة عرفات من شانها اظهار قدرة الفلسطينيين على الوفاء لانسانهم في اي منصب يكون، حتى لا يستسهل احد احتراف الجريمة السياسية التي يفترض محاصرتها ومحاصرة ظروفها ومحاربتها بلا هوادة، فما بال الفلسطينيين وهم يتهمون بتجاهل البحث في اسباب وفاة قائد سياسي يعرفه كل العالم، وما بال الفلسطينيين وهم يعلمون علما تاما بان الوفاة قد رافقتها اسباب ودوافع جنائية، اي ان هناك واقعة جرمية بحاجة الى من يبحث فيها ويقلب كل دقائقها، وبالمحصلة فان خشيتي تتمثل في انتهاء هذه الجريمة دونما اي عقاب، واذا كان المجرم فوق العقاب، فلم لا يصار الى كشفه على الاقل، وخصوصا ان الوصول الى المشتبه به بحاجة الى جرأة سياسية يدعمها قرار سياسي فلسطيني، او قرار تنظيمي فتحاوي يعول على قدرته الجريئة في كسر حاجز الصمت المريب الذي يلف وفاة القائد الشهيد، فهذا من اقل ما يتوقعه اي فلسطيني لا يشك في اصرار الفلسطينيين على البحث في اعماق الحقيقة، الحقيقة فقط ، ولا شيء غير الحقيقة.

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home