القلم النقدي

 

قراءة نقدية في قصيدة

ثريا حمدون



 

قراءة نقدية في قصيدة

ثريا حمدون

 

يستهل الشاعر عبد السلام العطاري قصيدته "ما زلت هنا ...أحمل قبسا من الذكريات" بتوجيه خطابه إلى شخص ما، قد يبدو للوهلة الأولى خطابا محايدا، لأنه لا يميز فيه بين الذكر والأنثى، إنه الضمير المحايد الذي نجده يقف كالحارس على باب القصيدة، كي يمنحنا تأشيرة الولوج إلى أسرارها وسبر أغوارها.

فيقول: "إليكـ" لينتقل مباشرة إلى تحديد جغرافية مكانه، إنه منعزل عن العالم، عن الناس، في غار عزلته، كأنه نبي ينتظر وحيا ما؛ ينتظر رسالة تحملها الريح إلى الضفة الأخرى، من هنا حيث يوجد الشاعر إلى هناك، وكأنهما منفصلان انفصال الروح عن الجسد.

يستمر الشاعر في التحديد، وكأننا نحمل بوصلة حروفه التي تقودنا إليه، يصير الزمان شخصا يرتدي معطفا كي يقيه برد الشتاء.

 

لكن مع ذلك، نجد الشاعر يستعمل قاموسا يكسر به البرد، والصقيع، ولون البياض، فيقول :

وأزهار الربيع

تشقه بصمت

وأقحوانة حمراء

تتسلل، تلون

وهج البياض

 

يجمل الشاعر هذا الكون، ويدفئ قسوة برده بحروفه، فينتقي ألوانا متعددة: كلون الربيع الأخضر، ولون الأقحوانة الحمراء، وبياض الثلج.

تمتزج الألوان لتقدم لنا لوحة فنية، يشكل اللون الأبيض الأساس، وأزهار تشقه بصمت، أما الأقحوانة الحمراء، فتخرج كي تدخل خفية إلى هذا الأبيض.

في مساء ما يضيق الكون، ليس هناك إلا نافذة يطل منها القمر، ليرسل بنوره ويضئ عتمته .

وقمر يضيء ما تبقى من فسحة الكون

 

يتقلص حجم العالم / الكون بكل امتـداده، فيصير الشاعـر هـو الكـون،   "ينطوي فيه العالم الأكبر"،  يحمل مزيجا من الطاقات، والذبذبات، والألوان، إنه خليفة الله في الأرض، بذرة النور التي تحتاج إلى النور كي ترتوي، وتكبر، وتنشر أشعتها كالشمس على هذا الكون، مادام قد حمل أمانة على عاتقه يقول الله عز وجل: ((إنّا عَرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبينَ أنْ يحمِلنَها، وحمَلهَا الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً)).  

فيقول:

مازلت هنا

أتساءل: لماذا لم يغير الشاعر مكانه، وماذا يحمل في جعبته؟

يجيبنا الشاعر بأنه مازال هنا، إنها هذه الكلمة: "مازال" التي تتكرر أربع مرات في القصيدة، مرة في العنوان، ومرتين في الوسط، وأخرى في النهاية، ليؤكد بها الشاعر استمرار وجوده، خط متصل إلى ما لا نهاية، مثل الجذور المختبئة في الثلج، لا تموت رغم قسوة الطقس.

يحمل قبسا من الضياء /النور، وقبسا آخر من نار.

مازلت هنا

أحمل قبسا من الضياء

من النور

 وقبسا من نار

يطرز الشاعر بين ثنائية النور والنار، هل يختبئ داخل النور كي يحمل لنا النار؟ أم داخل النار كي يحضر لنا النور؟.

كلاهما جائز، لأنه يجمعهما من أنفاسها في ليلة عاشقة، وهنا يحدد لنا الشاعر جنس المخاطب:

إنها الأنثى، الأرض، المرأة .

يكرر الشاعر أنه مازال هنا، استمرار الوجود والمكان الذي اختاره بمحض إرادته، يحمل قبسا من الذكريات يعطرها بثنائية النور والنار.

 

فلسفة الحزن عند عبد السلام العطاري:

من نافل القول أن الحزن يشكل المادة الخام التي ينهل منها الشعراء الطاقة التي تنكتب بها القصيدة، لكننا نجد الشاعر له رؤية خاصة، فيشير إلى الأبعاد الثلاثية للحزن، لنتساءل معه:  من هو هذا الحزين ؟

1 - الحزين هو الذي من لا تملك قلبه حبيبة.

2 - الحزين من لا يملك قلب حبيبته.         

3 -  الحزين  من يعيش بقلب، ولا يحيا في قلبها. 

يبدو لنا من خلال هذا التعريف، أن الفرح والحزن مشروط بوجود أو انعدام الحب.

فالحزين هو الذي انفصلت روحه عن جسده، لا الروح صعدت إلى السماء، ولا الجسد وارينا سوأته في الثرى.

إنه انفصال الذكر عن الأنثى، انفصال السماء عن الأرض، فينعدم السلام الداخلي، ويشع الحزن، ينشر حبالا سوداء تشنق فضاء الذات، فيتلاشى الفرح ثم ينتحر ببطء.

 لا وجود إلا للشاعر، الذي يحمل رسالة أو أمانة إلى كل الكائنات، مازال في هذا المكان يقول الشاعر:   

ما

زلت

هنا

والأرض والثلج

وجبال يكسوها الألم

وربيع يقترب

من تلال الصيف الجميل

صورة أخرى تنتقض مع البداية، أو يِؤِكد فيها الشاعر هذا التناقض الجلي في الواقع، فينفي حضور الربيع، وكأنه يقول لنا: كان وهما، عندما لون لوحة الثلج /الروتين  بالربيع، الذي يرمز إلى الحياة، والأقحوانة الحمراء التي تمثل طاقتها، يؤكد قولنا هذا، فعل "اشتاق" الذي يأتي مباشرة:

 وحضرموت

تشتاق لعفراء الصحراء

ولقيس وجميل بثنيه

من يُجمّل الكلمات  ؟؟

من يشكّل الحروف

لم يعد (أبو الأسود)

ولا (سيبويه).

نلاحظ أن تكرار فعل "اشتاق" يكون حلقة اتصال وانفصال في آن واحد، من خلال ربطه بالكلمات السابقة واللاحقة، وهو بذلك يملك مفتاح القصيدة، إنه حلم الشاعر الذي يوقظه من كابوس الواقع فيطرح سؤالا تلو الآخر:

من يقوم بمهمة تجميل الكلمات بالحب؟ كحب قيس  لليلى، وحب جميل لبثينة، ذلك الحب الطاهر النقي.

من يشكل الحروف بعد أبي الأسود وسيبويه؟

إنهما سؤالان ينهلان من  فعل الاشتياق حضورهما، وهما في ذات الوقت يؤكدان موت هؤلاء الأشخاص ليمنحا الحياة والوجود القوي للشاعر.

فهو الذي سيجمل الكلمات، ويشكل الحروف، إنه كل الأشخاص في واحد.

يقول الشاعر :

لم أعجز بعد

فأنت القصيدة

وشطر البيت، وعجزه

وأنت الحرف

وجمع الكلمة

وأنت المفردة

والمحصلة ...هي أنت

 

ندرك منذ بداية القصيدة أن الشاعر ينفي عجزه، ويتحدى كل شيء، لأنه قوي، وأنثاه القصيدة ينقشها بحروفه كيفما شاء، يخلق فيها عوالمه الممكنة وغير الممكنة، بعيدا عن الرقابة، إنها شطر البيت وعجزه،  لا تستوي القصيدة دونهما، (بالرغم من أن الشعر الحديث يستغني عنهما(.

هل هو فتح باب الشك أمام القصيدة كي يترك لنا مجالا للتفكير، أم هي مجرد فكرة عابرة ينوي الشاعر ترسيخها في أذهاننا ؟

إنها الحرف الذي يتنفسه كالهواء؛

وهي الجمع والمفردة عندما يغيب الجميع؛

وهي المفردة المنفردة حينما لا يتحمل أحد حزنه.

 إنه قدر الإنسان أن يكون شاعرا، خلق كي يسعد الناس، يحزن لأحزانهم، ولا أحد يبادله شعوره، وكأنها لعنة الحزن تنزل لتخيم على أرواح الشعراء ؟ وهي المحصلة، إنها الغائبة الحاضرة في وجدان الشاعر ليختم قصيدته بقوله:

فأنا... مازلت.... هنا.... سيدتي

يقوم الشاعر عبد السلام العطاري بتقطيع هذه (الجملة الخاتمة) إلى كلمات، تبدأ بضمير منفصل" أنا"، يليه الفعل الناسخ "مازال"، وكأنه ينسخ وجوده، ولأن الفعل "مازال" ناقص أيضا، لا يتحقق فعله إلا في هذا المكان القريب "هنا" حيث تكون هي: "سيدتي".

وبهذا الانتقاء الجميل  لخاتمة النص، يفتح لنا الشاعر مرة أخرى الشهية للقراءة، ونبدأ من حيث ينتهي.

الخاتمة

يبدو جليا أن الشاعر لم ينه كلامه بعد؛ مما يجعلني أسلط الضوء على التقنيات التي يستعملها، فالكلمة التي استهل بها قصيدته "إليك"، وهي بؤرة الكلام، تتوهج، لكنها سرعان ما تنطفئ، لأن الشاعر ينتقل إلى ذكر المكان والزمان، وينسى ما أراد قوله: هل هو حضوره المكثف من أول فونيم في القصيدة  إلى آخرها هو ما يمنح لهذا الغياب ثقله وجوهره؟

قد يكون الشاعر تعمد تغييب الكلام، وكأنه  يؤكد قول سارتر"SARTRE":

" إن العمل الفني مهما بدا منتهيا، فهو ليس كذلك، بل يحتاج دوما إلى من يكمله، وهو في أثناء هذه العملية لا يمل من الاستزادة "[1][1].

ربما تكون الجملة: "مازلت هنا" هي بيت القصيد، وجواب "إليك" التي طالما بحثت عنها وأنا أسبر أغوار القصيدة.

- استحضار التراث القديم: فيصير المكان مقدسا، نستشف ذلك من خلال كلمة "الغار" الذي يذكرنا بغار حراء، والعزلة التي يلجأ إليها المتأملون والمتألمون في هذا الكون .

- تناغم الحروف: حيث تؤلف سمنفونية جميلة يلحنها المعنى، وترقص على نغماتها الكلمات.

- إيحاءات اللون: يستعمل الشاعر عبد السلام العطاري إشارات الألوان:

فالأحمر، يشير إلى غياب الحرية التي تحاول أن تتسلل إلى هذا الواقع والنظام الجديدين.

أما الأخضر، فقد أجمع الباحثون على أنه يسبب الشعور بالأمان والرقة، إنها الحياة التي تشق هذا الأبيض  بصمت.

- اختيار واع لكل مفردة في القصيدة، بحيث لا يمكن وضع كلمة مكان أخرى.     

- اعتماد القاموس اللغوي الذي ينتقي مادته من الطبيعة: الغار، الجبال، الثلج، الأزهار (الأقحوانة)، القمر (النور - الضياء)، الأرض (التلال)، الصيف، ثم الصحراء .

التوقيع: ثريا حمدون

 

 

 

 



[1][1]  -  جان بول سارتر. ما الأدب؟ (ت) محمد غنيمي هلال. ص:46. دار العودة. بيروت.‏

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home