للنساء فقط

 

شخصية المرأة وتطوّراتها المجتمعية فيه 100 عام من الابداع



 

علي الخليلي

 

في كتابه الجديد “المرأة في الرواية الفلسطينية” الصادر حديثاً عن مركز أوغاريت الثقافي للنشر والترجمة في رام الله، يجتهد القاص والباحث زكي العيلة اجتهاداً مكثفاً للوصول الى مائة عام تقريباً من الابداع الروائي الفلسطيني، بحثاً عن شخصية المرأة وتطوّراتها المجتمعية فيه.

خمس وأربعون رواية، ما صدر منها داخل فلسطين، وما صدر خارجها، لواحد وثلاثين روائياً منهم غسان كنفاني وجبرا ابراهيم جبرا وأميل حبيبي ويحيى يخلف ورشاد أبو شاور وأفنان القاسم، الى جانب ثلاث روائيات فقط، سحر خليفة وليانة بدر وديمة السمان، يشتمل على دراستها زكي العيلة بتأنٍ وأمعان، من رواية “على سكة الحجاز” لجمال الحسيني “القدس سنة 1932” الى رواية “أقتلوني ومالكاً” لخضر محجز “غزة سنة 1998”.

 

شخوص روائية كثيرة ومتداخلة “متلاطمة” مثل أمواج البحر، بعضها غامض، وبعضها واضح، وبعضها مضطرب في اشاراته وتحولاته، يعبر اليها العيلة في قراءة عميقة ومتواصلة على مدار سنوات عدة، حاول من خلالها ان يجد في “شخص المرأة” الراوية أو المروي عنها، على وجه التحديد، نافذة لواقع المرأة ذاتها على الارض، خارج الورق، وخارج الرمزية الغامضة، أو الواضحة، أو المضطربة.

ثمة مسافة بالضرورة بين الشخصية الواقعية “الشخص على الارض” من جهة، والشخصية الروائية “النص على الورق” من جهة ثانية، كيف امتلك العيلة قدرته الفنية في اجتياز هذه المسافة، والوقوف امام “النافذة” المفترضة في المشهد الأدبي - الاجتماعي؟

يدرك الباحث سلفاً، ان الروائي حين يصنع شخوص روايته، لا ينقل الواقع بالضرورة، بل  يتخيَّله. المخيلة تلعب دورها المركزي في “صناعة” المشهد. ولكن المخيلة، مهما كانت لعبتها الأبداعية، جزء من الواقع. ووفق هذا الادراك، يصبح الباحث امام واقعين.

يمكن له ان يُسمي الاول “الواقع الواقعي”، والثاني “الواقع المتخيل” وهما يتماهيان معاً في الابداع الروائي. لا واقع ولا خيال، بل هي الرواية فحسب.

الى ذلك، ان كتاب “المرأة في الرواية الفلسطينية” كشف  واعٍ لمقاربة الواقع الواقعي مع الواقع المتخيّل. وبالتالي، فإن المرأة في الرواية، هي المرأة في الحياة، بقدر ما هي ذاتها - وربما بتجليات أشد كثافة وأبعد عمقاً - من خلال النص. وهو ما يعني اننا في هذا الكتاب، لسنا بصدد رصد احصائي، ولسنا بصدد بحث مجتمعي تفصيلي عن المرأة الفلسطينية. وانما هي رؤية ابداعية للروائيين انفسهم، في “تناول” شخصية المرأة، أو شخصها في سياق سلسلة طويلة من الشخوص الاخرى.

وقبل ان أخرج الى هذه الرؤية في عرض فصول الكتاب نفسه، تلح عليَّ اسئلة تنبع في الاساس، من بيئة الرواية المعنية. ومنها على سبيل المثال: هل  يمكن إحالة الرواية الادبية الى التاريخ. واستقراء شخصياتها تحت سقف هذه الأحالة، ثم استنتاج رزمة من “الأحكام الاجتماعية” في المحصلة - الامكانية؟ وهل يتكشف التاريخي المجتمعي حقاً من خلال النصوص الروائية الادبية؟ واذا كنا لا نتحدث عن روايات تاريخية، وانما عن روايات أدبية - فنية - إبداعية، فكيف يمكن لنا تحليل الشخصيات الروائية “الأدبية الفنية الابداعية” على أساس تاريخي؟ أم ان التاريخ هو هذا كله، من الادب الى الفن، الى الواقع، الى الخيال، الى النص، الى منصوص النص، لا شيء خارجه، ولا شيء يحيا من دونه؟

 

المرأة في الواقع وفي النص

يشتمل الكتاب على مقدمة وستة فصول وخاتمة وثبت بالمصادر والمراجع، على امتداد مائتين وخمس وخمسين صفحة من القطع المتوسط. وقد حرص العيلة في مقدمته أو تمهيده لكتابه، ان يوفر لنا احصاءات ومعلومات تاريخية عديدة عن “واقع” المرأة الفلسطينية من بدايات القرن العشرين، الى مطلع القرن الحادي والعشرين “واقع” موثّق لوضع المرأة العربية في فلسطين، عبر مائة عام، حيث نجد في “البدايات” ان هذا “الواقع” بما يخص المرأة الفلسطينية، لا يختلف عن واقع المرأة بشكل عام في بقية الأقطار العربية. فالعادات والأعراف والتقاليد التي فرضت العزلة والحصار على المرأة، هي ذاتها في كل قطر عربي تقريباً،  ولكن الباحث يتجاوز هذا التعميم الى التخصيص، فينتقل بسرعة الى الاحصائيات التعليمية في فلسطين، ونسبة التحاق الفتيات الفلسطينيات في المدارس والجامعات منذ العام 1919. ففي ذلك العام تحديداً، رغم سياسة حكومة الانتداب البريطانية “الاحتلال البريطاني لفلسطين” التي لم تساعد على انتشار التعليم، بلغ عدد الطالبات في المدارس الحكومية فقط 2243 طالبة، وقفز هذا العدد بعد عشر سنوات، في العام 1929 الى 4782 طالبة. وفي العام 1946 تجاوز عددهن الى خمسين ألف طالبة. وعلى مستوى الدراسة الجامعية، يورد لنا الباحث جدولاً يبين عدد الطالبات الفلسطينيات في الجامعة الامريكية في بيروت، ففي العام 1921 كان هناك ثلاث طالبات فقط، وفي العام 1946 وصل العدد الى ست عشرة طالبة. ثم تراجع العدد في العام 1947 الى اربع طالبات،  بسبب الأحداث التي كانت تتصاعد في فلسطين، والتي أدت في العام 1948 الى النكبة.

ومن الاحصائيات التعليمية الى “وثائق” الأنشطة الاجتماعية والسياسية والنضالية والاقتصادية للمرأة، مفصلاً بعد مفصل، من الاستعمار البريطاني والثورات ضده، الى النكبة ونشوء “اسرائيل” سنة ،1948 الى هزيمة الخامس من يونيو/حزيران سنة ،1967 وسقوط ما بقي من فلسطين “الضفة الغربية وقطاع غزة” تحت الاحتلال “الاسرائيلي”، الى الثورة الفلسطينية المسلحة والعمل الفدائي، الى المنافي والمهاجر “الشتات”، الى الانتفاضة الاولى ،1987 الى نشوء السلطة الوطنية في الضفة والقطاع سنة ،1994 وصولاً به الى العام ،2000 قبل انطلاقة الانتفاضة الثانية “انتفاضة الأقصى الراهنة في 28 سبتمبر/أيلول سنة 2000”، يتوسع الباحث والقاص زكي العيلة في مقدمته، وهو يتابع “واقع” المرأة في كل هذه المفاصل، ورغم انها مفاصل سياسية بحتة، إلا انه استطاع ان يضيء كل الجوانب الاجتماعية والثقافية فيها، لمصلحة هذا “الواقع” الذي يدرسه بكل جوانبه.

لقد احتلت هذه المقدمة وحدها سبعاً واربعين صفحة، اي ما يقرب من خُمس حجم الكتاب كله، كي تكون شاهداً لنا في احصاءاتها ومعلوماتها ووثائقها، على مسألة “الواقع” أو “الواقع الواقعي” كما سميناه، بشأن المرأة، وصولاً بالباحث بعد هذا “الشاهد” الى النص، الى الرواية، أو “الواقع المتخيل” للشأن ذاته. كان من الضروري كما أحسب، ان تتوافر هذه المقدمة “الواقعية”، حتى نستطلع من خلالها، قدرة النص على محاكاتها أو التماثل معها أو الابتعاد عنها، أو “إعادة صياغتها” على طريقته، طالما أننا نفترض انه هو كله، قد انبثق عنها أصلاً.

على مدار ستة فصول، تابع الباحث هذه “القُدرة النصية”، من رواية الى اخرى، منقبا عن “قضايا المرأة” فيها، كيف تقاربت في المحاكاة، وكيف تماثلت أو ابتعدت، وكيف أُعيدت صياغتها في بعض الأحيان، هل كانت قضايا “التعليم والتحرر والحب والعمل والنضال والتشبث بالأرض، والتعبئة والتحريض، وحمل السلاح والمقاومة” “العناوين الفرعية للفصل الاول” هي ذاتها في النص الروائي، كما هي كائنة في الواقع، بالنسبة للمرأة؟ أم ان مسافة الانعكاس بينهما هي التي تملأ الأفق في إبداع جديد لكل هذه الحال؟

بعدما يعرض لنا الباحث قراءته لروايات عدة، منها “عكا والرحيل” لألياس أنيس الخوري، و”النهر الغريق” لصخر أبو نزار، و”برقوق نيسان” لغسان كنفاني، و”العشاق” لرشاد أبو شاور، يخلص الى ان الروائيين الفلسطينيين قد شغلوا بقضية تعليم المرأة، حيث حددوا مواقفهم منها، والتي تمثّلت في تأييد خروج الفتاة للتعلّم والتعليم، وان اختلفوا في الوسائل والأسباب تبعاً للمرحلة التاريخية، والواقع الاجتماعي المعيشي.

للوهلة الأولى، يبدو لنا ان “مسافة الانعكاس” تضيق، وقد تتلاشى في هذا الفصل “الأول”، والباحث يواصل طريقه، من قضية الى قضية، عبر الروايات، وكأنه يستخلص من النص ما سبق ان مهد له من “أرض الواقع”؟ وهو ما يعني، وفق دلائل هذه الوهلة، ان الروائيين لم يفعلوا شيئاً، سوى النقل والتسجيل، أو مجرد التأريخ لمرحلة معينة.

تخفّ وطأة هذه الدلائل في الفصول اللاحقة، ثم تختفي تماماً، لنقف امام المرأة في معنى الرواية، وليس في الصدى التسجيلي المباشر لها. الى ذلك، وفي سياق هذا المعنى، يتوهج لقاؤنا مع شخوص الروايات، أو مع الأبداع الروائي الذي أوجد شخوصه بقدرته النصّية، من دون ان نحتاج الى إسناد تاريخي، أو توثيق مادي من الواقع.

“سعدية” على سبيل المثال، في رواية “عباد الشمس” لسحر خليفة، هي بذاتها الاسناد والتوثيق. لن نتساءل في ما اذا خرجت الينا في هذا النص، من الورق والحبر والخيال، أم انها “منقولة” لنا من احدى حارات نابلس القديمة “مكان الرواية”، نقلاً فيزيائياً بحتاً يكفي ان نقرأ، ونستمتع، ثم نجلس الى جانب “سعدية” صامتين أو صارخين سيان، وهي تروي روايتها، المرأة في صمتنا، وفي صراخنا، وفي اي وضع نكون عليه، لم تعد “قضية من مجموع قضايا”؟

صفية، سارة، عيشة، رفيف، أمل، نوّار، نادية، خضرة، نزهة، حليمة، وعشرات الأسماء الاخرى لنساء صبايا وعجائز وأمهات وأرامل، وعاملات وربات بيوت، ومناضلات، وغير مناضلات، ومربيات أو منحرفات يتحركن في الروايات الاخرى، مع سعدية، خارج النص، كأنهن يصنعن نصاً جديداً خاصاً بهن. تختفي الروايات، ويختفي الروائيون والروائيات. وتحضر المرأة الى المشهد في شخوص شتى. المرأة المشهد متجلية بذاتها. يقول الباحث العيلة “يلاحظ في الروايات الصادرة في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد العام ،1987 ندرة الاتكاء على الرمز في استحضار صور المرأة، حيث دفعت القراءة الجديدة لواقع الانتفاضة اليومية، بكل ما حملته من اطلاق لطاقات المرأة وابداعاتها، الروائي الفلسطيني الى المزيد من الوضوح والجرأة، اذ تجاوزت رؤيته للمرأة الرموز المتوارثة.. الى التعامل معها كواقع وأحساس.

ترفض المرأة الفلسطينية - وقد انطلقت طاقاتها وابداعاتها - ان تكون مجرد رمز، حتى ولو كان هذا الرمز هو الارض أو الحكمة أو الأم، الخ.

الرمز حصار. وبقدر ما حققت المرأة الفلسطينية ثورتها ضد العزل الاجتماعي، والقهر العائلي، والاحتلال “الاسرائيلي”، اندفعت ثورتها ايضا، ضد رمزية كينونتها، وضد الحصار الذي أغرق هذه الكينونة في سكون الرموز. هي الارض والحكمة والأم، ولكنها قبل هذا كله، هي المرأة. وقد اجتهد الباحث في تتبع هذه الرؤية العميقة للمرأة، في كل فصول كتابه. ورغم انه اختار للفصل السادس والاخير، طريقاً مغايراً لهذه الرؤية، في بحثه لمسألة “البناء الفني” للرواية بشكل عام، أو لمجموع الروايات التي ناقشها في الكتاب، فقد وجدنا ان المغايرة لم تكن تامة، حيث ان هذه المسألة التقنية ذاتها “البناء الفني” في اللغة واستلهام التراث، والسرد والحوار والمكان والزمان، استطاعت التوافق بهذا الشكل أو ذاك، مع المرأة في النص، وفي الواقع




 

اطبع الموضوع  

Home