قصيدة

 

مسافر إلى مدن الجليد

بسام علواني



مسافرٌ إلى مدن الجليد

مُتفائلاً
ـ حينَ النهارُ
أفاقَ في عينيهِ
ملْءَ البوحِ ـ
يمشي ..،
يسكبُ الأحلامَ
في رئةِ الحقيبةْ ..
لمَّ النجومَ
براحتينِ من المساءِ ،
وراحَ يُلقي
وجهَهُ المنسيَّ
في حضنِ البراري
قاهراً بين الضلوعِ
رفاتَ أدمُعهِ العصيبَةْ ..
لمْ يكترثْ
للنهرِ

يفتحُ ضفّتيه لضمّهِ
للغيمِ يشربُ ظلّهُ
لشوارعٍ
تأبى الخضوعَ لخطوهِ
لبيادرِ الذكرى
تُسنبلُ رأسهُ

لحبيبةٍ
مدّتْ يدينِ
تزقزقانِ النورَ
في فمهِ
فتعلو في فضاءِ الحبِّ
آهاتُ القصيدةْ ...

* * * *

حينَ ارتشافِ الصمتِ
تنتحبُ الرياحُ ،
وتُعلنُ الأمواجُ
قهقهةَ العواصفِ
في دماهْ ..


متفائلاً ..
رغمَ انكسارِ الأشرعةْ ،
وسعالُ هذا الليلِ
يلبَسُ وجهَهُ
ويطيلُ في عينيهِ
ألسنةَ الأفاعي المترعَةْ
كلُّ البلاد
تقزّمتْ وتثاءبتْ
حين استفاقتْ
مقلتاهْ ..

ـ رحماكِ آهْ
لو دفقةٌ أخرى
تخيطُ الروحَ
من فتقِ الحياةْ ..
لو تُفتحُ الأبوابُ
تأخذُهُ التلالُ
إلى التلالْ

لو جُمِّعَتْ أشلاؤهُ
بيدِ الإلهْ ..

متفائلاً ..
رغمَ انحسارِ الأرضِ
في الجسدِ الكسيحْ
ترنو إليه
غزالةُ الأحلامِ
ظمأى ، ثم تعدو
في قبابِ النورِ
أصداءُ الوداعْ

ـ / لا شيءَ ضاعْ /

جسدٌ تآكلهُ الصقيعُ
ومزّقتهُ ثعالبُ الترحالِ
أدماهُ الجليدْ ..،
ويداهُ تخصبُ
ما تبقّى
من رغيفِ الظلِّ
والذكرى
تعدُّ وليمةً للدفءِ
يبعثُ في المفاصلِ
من جديدْ ..

آنَ الإيابُ
ولم تزل في مقلتيهِ
تذاكرُ المدنِ البعيدةْ
وعلى ذرا كفّيهِ
تنتقلُ العواصمُ
تشرقُ الأنثى
تدغدغُ وجهَهُ النائي
تلمُّ نعاسَهُ المدفونَ
في غرفِ الرصيفْ

ـ / لا شيءَ ضاعْ /

الآن فينقَ روحَهُ
وشدتْ أيائلُ حلمهِ
تستنهضُ الإشراقَ
تُعلنُ رحلةَ اليخضورِ
في جسدٍ
تقاسمه التعبْ ..
تعبٌ من الأمواجِ
تغلقُ مدَّها
عن كلِّ نهرٍ
لا يرمّمُ ناهديهْ ..
وزجاجُ هذا البحرِ مكسورٌ
يشظي دفقةَ
الأملِ الشريدْ ..
تعبٌ من التسفارِ
في مدنِ الجليدْ ..
والأرضُ حبلى
والوليدُ
سفيرُ بركانٍ نشيطْ ..
تعبٌ من الأشواكِ
تبصقُ سمَّها
في أضلعٍ نهضتْ
تعانقُ قبلةً للفجر ..
تسمو
تستغيثُ بغيمةٍ
حمراءَ
تنذرُ بالخطرْ


خطرٌ ..
خطرْ

خطرٌ من الحيتانِ
تلتهمُ البراءةَ
والظلالْ

خطرٌ من الأبوابِ
توصدُ خلفَ
أنفاسِ الصباحْ ..

خطرٌ من التاريخِ
يرقدُ في كتابٍ
يشهقُ الماضي
ويزفرُ
كل أمجادِ المقابرْ

ـ / لا شيءَ ضاعْ /

فالنخلُ عابرْ ..
والصحارى
تمتطي رأسي
وتتركُ مهجتي
تحت الحوافرْ
والنارُ تدخلُ
في نسيجِ الماءِ
تطحنُ ما تبقّى
من غبارِ الروحِ
تدهَنُ كلَّ أوردةِ الحناجرْ
هل في قميصِ الريحِ
أشرعتي أُدلّيها
إلى بستانِ بلدتنا
فأنشرَ فوق
داليةِ السواقي
آخرَ الذكرى ،
وأفتح في هديل الليلِ
نافذةَ الصهيلْ ..
تعبَ الرحيلُ
من الرحيلْ ..،
وخيولُ مسافر إلى مدن الجليد




  قصائد سابقة

اطبع الموضوع  

Home