القلم السياسي

 

نعم للحب والسلام ولا للموت والدمار

نور الدين



 

نعم للحب والسلام ولا للموت والدمار

نور الدين حسن محمد أبو عاصي - غزة

لن نلقي البندقية ولكننا نكره القتل ونحب السلام

فما من عاقل على ظهر الأرض يرغب في نزع ابن من حضن أمه أوزوج عن زوجته أو أطفاله وما من أحد يرغب في التلذذ بعذابات الآخرين إلا من تمكن الحقد في قلبه ليصبح نزيلا في أقسام الصحة النفسية .

ومنذ أن بدأت البشرية تدب فيها الحياة على الأرض والصراع بين قوى الحق والباطل والخير والشر قائما وما أن تنبعث فكرة من هنا أو صيحة من هناك تدعو الناس إلى الخير والتمدن والرقي حتى تهال عليها كل القوى الوصولية المتنفذة  وتشن عليها حربا لا تبقي ولا تذر بدافع المحافظة والتمسك والحرص على كل ما هو تقليدي وقديم ورفض كل ما هو حيوي وجديد  وكل هذه المواصفات والتعبيرات التي كانت تنم وتعبر عن نمط معين من التفكير والنهج والسلوك المرتبط وجوديا وشعوريا بواقع وببنية مجتمع تحجرت فيها العقول وتيبس فيها التفكير وانحطت القيم الأخلاقية والمثل العليا أدنى انحطاط إلى درجة أن يرى كل دعوة تنطلق داعية للتجديد أو كل صيحة تنادي للتغيير ما هي إلا شر مستطر يجب التصدي لها أو صم الآذان عنها .

وما أكثر تلك الدعوات التي ظهرت عبر التاريخ القديم والحديث منذ عهد الفراعنة حيث الداعية أخناتون وفي عهد الرومان ظهر الحكيم أبيقور ومن بعده الاسكندر المقدوني ودعوات زرادشت وبوذا وكونفوشست وكان من أعظمها دعوات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع الفارق العظيم بين دعاوي الإصلاح والدعاوي النبوية السماوية الكريمة كان في مقدمتها إمام التوحيد والهدى ورسول البشرية كافة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .

ولقد أجمعت كل تلك الدعوات على حث الناس على الخير وعلى المحبة والتسامح

ففي اليونان القديم ظهر الحكيم والفيلسوف أبيقور الذي آلمه انحراف شعبه إلى أساطير وخزعبلات لا تسمن ولا تغني من جوع  فالبرق له إله والشمس لها إله والنار لها إله والقمر له إله والخير والشر والحرب والسلام كل له إله .

هبوط في السلوك وانحدار في التفكير حاول أبيقور أن ينهض بشعبه وأن يعدل من مفاهيمهم بالحجة والبرهان طاعنا بزيف معتقداتهم فقال لهم : أنتم تقدسون آلهة لا تحجب عنكم الشر ولا تجلب لكم المنفعة وتخافون من إله البرق خشية من أن يوقع بكم العقاب ولكنني سوف أشتمه وأسفهه وأجلس في معبده ولن يمسني منه عقاب أبدا لأنه خرافة غير واقعية .

أخذ أبيقور ينشر أفكاره بين قوم قد نخر التخلف في عقولهم كنخر السوس في الخشب وأصبح له أتباع ومؤيدين ولم ييأس حتى واجه نتيجته الحتمية وهي الموت حرقا .

لقد تخلدت ذكرى أبيقور وتخلدت ثورة التجديد معه لتتخلد كل نداءات وصيحات ودعوات بناء وتأسيس وإنشاء المجتمع المدني الحديث الذي ينشئ العقلية الحديثة والذهنية المستنيرة الواعية وينمي القدرة على التفكير والإبداع .

أما اليوم فقد تمزق الشعب الواحد إلى فئات وشرائح وأقليات وديانات وأيديولوجيات وانطمست قدرات التفكير وأغلقت مهارات الإبداع وصدق من قال

وكل يدعي وصلا بـلـيلــى            ولـــيلى لا تـقـر لهـم بـذاك

إذا اشـتبكت دمـوع في جفون        تـيـن من بكى مـمن تـباكـى

هنا كاثوليك و ذاك بروتستانت و آخر روم اورتودوكس ثم أقباط وغير ذلك كثير وهناك الشافعي والحنفي والحمبلي والمالكي والحمساوي وابن القاعدة وابن الجهاد وابن الدعوة والحركة الوهابية والصوفيين وفي العراق الصابئة والشبك واليزيدية والكاكانية والكرد والمسيحية والشيعة والسنة واليزيدية وفي سوريا العلوية والدروز وفي دول المغرب العربي البربر وأقليات أخرى وصدق فيهم الشاعر :

إلام الخُلف بينكمُ إلامَ          وفيمَ هذه الضجةُ الكُبرى علامة

وفيمَ يكيدُ بعضُكمُ لبعض       وتبدون العداوةَ والخصامَ

ويسقط القتلى وتنتهك الحرمات ويعم الظلم وتنتشر الفوضى ويدفع المساكين الثمن غاليا .

 في مصر بين الأقباط والمسلمين نار تستعر و في السودان بين المسيحيين والمسلمين صراعات تتجه نحو فصل الجنوب عن الشمال بدعم من جيش الرب المسيحي و في لبنان بين شيعة حركة أمل وشيعة حزب الله  وبين مسيحية فرنجية ومسيحية الكتائب وفي العراق تعددت الطوائف واللهجات والمذاهب وفلسطين بين فتح العلمانية وحماس الإسلامية وفي كثير من البلاد العربية الشواهد كثيرة وعديدة

في الهند وباكستان ودول شرق آسيا وغرب أوروبا وفي الولايات المتحدة الأمريكية ومذابح أمريكا اللاتينية وقمع الشعوب وفي معظم بلدان العالم انتشر الحقد وسادت الكراهية دول وشعوب وأساطيل وجيوش ومنظمات وحركات همها الوحيد القمع والقتل .

أصبح القتل مدرسة والتنكيل قربى والتعصب فضيلة وغابت كل سمات البشرية والإنسانية بما تحمل من معاني القيم الخلقية والمثل النبيلة غابت عن آفاق تفكيرهم فلا معنى بعد لطهارة السلاح ولا قيمة لحق الآدمي ولا فهم للتسامح الديني ولا وجود لفضيلة تُذكر .

تغلغل العدوان في مفاهيم الناس وتشعبت سبره فانتشر بين الناس كل معاني الحقد والكراهية وأصبحت ثقافة الموت هي الثقافة السائدة تنتزع من القلوب والضمائر كل معاني الرحمة والإنسانية وانفتح باب الموت الأسود الذي يكرهه كل بني البشر على مصراعيه حتى الحيوانات الضارية في غاباتها تكره القتل من أجل الموت إلا عندما تجوع .

وعلى نمط أبيقور الحكيم والفيلسوف والقائد وعلى نمط جميع الأنبياء والرسل وعلى نمط الدعاة المبشرين والمجددين وعلى نمط المصلحين والمفكرين هل يمكننا أن نستبدل ثقافة الموت بثقافة الحياة وثقافة الحرب بثقافة السلام ؟

الأمر ليس باليسير لأننا سوف نهدم عقولا ونبني أخرى وسنقاوم نهجا من العدوانية المفروضة فرضا على الشعوب والمجتمعات المضطهدة والمستضعفة وسنحارب سلوكا طالما تجذر في الأذهان بعوامل التربية والفكر والتنشئة والبناء والعادات والسلوك والتقاليد ولكن ما هي آلية العمل وكيف نحارب وبأي شيء نقاوم ؟.

عندئذ تصبح كل الأوطان وطن واحد فتتلاشى الحدود المصطنعة وكأن الأرض كلها قطعة جغرافية واحدة وليست دول الاتحاد الأوروبي عنا ببعيد ولعلها مثالا حيا في ذلك على الرغم من التباين.

ولكن ماذا نفعل وقد سُلبت منا الأوطان وانتهكت الأعراض والأعراف ووقع التشتت والتمزق والتشرذم وغاب الحق وعاش الناس في الأدغال المظلمة والأوحال القارية القاتمة بفعل الحقد الأعمى والأفكار الطائشة الرعناء وأمست مفاهيم المحبة والتسامح والصفاء دربا من دروب الخيال أو يمكن البحث عنها في متاحف التاريخ لعلنا نعيد لها مجدها المفقود وعزها الضائع .

ماذا نعمل وما هي حيلتنا وقد انتهكت كرامة الإنسان وفقد أمنه واستقراره وأصبح مهددا برغيف خبزه ؟

فهل يمتشق هذا الإنسان الممتهن بندقيته ليعيد الحق الضائع والكرامة المبتذلة والوطن المسلوب ؟

عندما تنفتح وتتفتح العقول وتستيقظ الضمائر من ثباتها العميق والطويل حينئذ يمكن أن نستبدل الكراهية بالحب والحرب بالسلام واللامبالاة بالاكتراث نتيقن وندرك أن الإنسان ذو قيمة كبرى من حقه أن يعيش بكرامة وأمن وسلام .

إن مفهوم كلمة الحب مفهوم عميق وواسع السبر والأغوار فهو الأمن والأمان وهو السعادة والرخاء وهو العمل والبناء والإنتاج وهو النهوض بالحاضر وبناء المستقبل وهو الانتماء لبني البشر بلا حدود .

فما أجمل أن ننشئ على الحب والتسامح مشروعا سياسيا ومنهجا تعليميا ومبنيا ثقافيا وصرحا علميا ومنشأ اقتصاديا .

متى ندرك بعمق أن البناء أفضل من الهدم وأن التعاون أفضل من القطيعة وأن السلام أفضل بألف مرة من الحرب ؟ فلماذا لا نتعاون قي بناء مستقبل مشرق لنا ولأبنائنا وللأجيال القادمة من بعدنا.

أما آن لتجار الموت وسماسرة الشعوب أن يدركوا بأن  القتل لا يحقق هدفا وأن العدوان لا يجدي نفعا ؟ .

 ومع ذلك كله فإننا لن نلقي البندقية ولكننا نكره القتل ونحب السلام وننشد يوما قريبا نعيش فيه بأمن وسلام بعقلية تحارب التخلف وتكره العيش في الظلام وتنهض بمسؤوليات التجديد والتغيير إن كنا نستشعر كل معاني الانتماء للأرض والإنسان انتماءا يتخطى كل المعاني الآخرى .

 

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home